Misbah Library
الروضة من الكافي 8 ٢٩٧

به إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه، فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، فأراهم حلمه كيف حلم، وأراهم عفوه كيف عفا، وأراهم قدرته كيف قدر، وخَوّفهم من سطوته ، وكيف خلق ما خلق من الآيات، وكيف مَحَقَ من محق من العصاة بالمَثُلات، واحتصد من احتصد بالنقمات، وكيف رزق وهدى وأعطى ، وأراهم حكمه كيف حكم وصبر حتى يسمع ما يسمع ويرى.

فبعث الله عز وجل محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم)بذلك ، ثم إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تُليَ حق تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أعلى ثمناً من الكتاب إذا حُرِّف عن مواضعه، وليس في العباد ولا في البلاد شيء هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر، وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان، فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حَفَظَتُه حتى تمالت بهم الأهواء وتوارثوا ذلك من الآباء، وعملوا بتحريف الكتاب كذباً وتكذيباً فباعوه بالبَخْس وكانوا فيه من الزاهدين، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيان، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يأويهما مُؤْوِ، فحبذا ذانك الصاحبان، واهاً لهما ولما يعملان له، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم، ومعهم وليسوا معهم، وذلك لأن الضلالة لا توافق الهدى وأن اجتمعا، وقد اجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، قد ولَّوا أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر والمنكر والرشا والقتل، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، لم يبق عندهم من الحق إلا إسمه ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزَبْرُه١، يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالساً حتى يخرج من الدين، ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك، ومن عهود ملك إلى عهود ملك، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون، وإن كيده متين، بالأمل٢والرجاء حتى توالدوا في المعصية، ودانوا بالجور، والكتاب لم يضرب عن شيء منه صفحاً٣، ضُلّالاً تائهين، قد دانوا بغير دين الله عز وجل، وأدانوا لغير الله .

مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة، خربة من الهدى (قد بدل فيها من الهدى)) فقُرّاؤها وعُمّارها أخائب خلق الله وخليفته، من عندهم جرت الضلالة وإليهم تعود، فحضور

(١)1- أي كتابته .
(٢)2- متعلق ب_: فاستدرجهم .
(٣)3- أي والكتاب لم يردعهم عن شيء من الجور لتماديهم في الضلالة .

:  · /kafi/8/297/