Misbah Library
الروضة من الكافي 8 ٢٧٦

فأجابه أمير المؤمنين(عليه السلام):

فقال : إن من حق من عظُم جلال الله في نفسه، وجل موضعه من قلبه، أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه، ولَطُفَ إحسانه إليه، فإنه لم تَعْظُم نعمة الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عِظَماً، وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ، ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا عَليَّ بجميل ثناء، لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها، وفرائض لا بد من إمضائها، فلا تُكَلّموني بما تُكلّم الجبابرة، ولا تتحفّظوا مني بما يُتَحفّظ به عند أهل البادرة١، ولا تخالطوني بالمصانَعة٢، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي، فإنه من استثقل الحق أن يُقال له، أو العدلَ أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقلَ عليه، فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفَوق أن أخطىء٣، ولا آمن من ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صَلَحْنا عليه، فأبدَلَنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى .

فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل:

فقال : أنت أهل ما قلت والله ، واللهُ فوق ما قلته، فبلاؤه عندنا ما لا يُكْفَر، وقد حملك الله تبارك وتعالى رعايتنا وولّاك سياسة أمورنا، فأصبحت عَلَمنا الذي نهتدي به وإمامَنا الذي نقتدي به ، وأمرك كله رُشْدُ وقَولُكَ كله أدب، قد قَرّت بك في الحياة أعيننا، وامتلأت من سرور بك قلوبنا، وتحيّرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا، ولسنا نقول لك : أيها الإمام الصالح تزكية لك، ولا نجاوز القَصْد٤في الثناء عليك، ولم يكن في أنفسنا طَعْنُ على يقينك أو غش في دينك، فنتخوّفَ أن يكون أحدثْتَ بنعمة الله تبارك وتعالى تجبّراً، أو دخلك كِبْر، ولكنا نقول

(١)1- أهل البادرة: أهل الغضب والجدّة .
(٢)2- المصانعة : المداهنة والنفاق .
(٣)3- هذا منه(عليه السلام)أسلوب لجذبهم إلى الإنبساط معه في أمورهم وعدم نهيبهم الموقف بين يديه، مع ما فيه من التواضع وحسن الخلق، وإلا فهو(عليه السلام)معصوم من الخطأ.
(٤)4- القصد: العدل، والوسط من الأمور.

:  · /kafi/8/276/