Misbah Library
الروضة من الكافي 8 ٢٣

أيها الناس : إن المنية قبل الدنيّة١، والتجلّد قبل التبلّد ، والحساب قبل العقاب، والقبر خير من الفقر، وغض البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك ، فإذا كان لك فلا تبطر٢، وإذا كان عليك فاصبر، فبكليهما تُمتحن . - وفي نسخة : وكلاهما سيُخْتَبَر-.

أيها الناس : أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذّله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأَسَف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ وإن أُسْعِد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن استلبته الغرّة ٣- وفي نسخة : أخذته العزة - ، وإن جُدّدت له نعمة أخذته العزة ، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضّته فاقة شغله البلاء، _ وفي نسخة : جهده البكاء- ، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، وإن أفرط في الشَّبع كظّته٤البطنة، فكل تقصير به مُضِرّ، وكل إفراط له مفسد.

أيها الناس : إنه من فَلّ٥ذل، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رَأْس، ومن كثر حِلمه نبُل٦، ومن أفكر٧في ذات الله تزندق، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثر مزاحه استُخِف به ومن كثر ضحكه ذهبت هیبته فسد حَسَبُ من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول٨، من جالس الجاهل فليستعدّ لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لإقلاله .

أيها الناس : لو أن الموت يُشْترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلَج ٩، واللئيم الملهوج ١٠ ومن

(١)1- « يعني أن الموت خير من الذلّة، فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف وفي نهج البلاغة : المنية ولا الدنيّة ... وهو أوضح» الوافي للفيض، ن.م.
(٢)2- البطر: الأشر والطغيان في النعمة .
(٣)3- الغرّة: الغفلة
(٤)4- كظته البطنة : أي ملأته حتى لا يقدر على التنفس.
(٥)5- قال في الصحاح : فله فانقل أي كسره فانكسر وفي بعض النسخ من قل ذل أي من قل أعوانه وعشيرته هان على الناس ، وقيل : من قل عطاؤه ،ذلّ، ولعل ما يليه من قوله : ومن جاد ساد، يؤيد رواية القاف.
(٦)6- النبل : النباهة والذكاء .
(٧)7- افكر : أي اعمل فكره وأجال نظره. ومنه القول المأثور : من تمنطق تزندق .
(٨)8- أي بذي عقل وعلم ،« لأن الجاهل منتهى غرضه التصرف في أحوال الدنيا وكيفية تحصيلها والتمتع بها والتكلم بالفضول ولا ينفذ بصره إلى أحوال الآخرة، والعالم على عكس ذلك، فبينهما تضاد والمتضادان لا يجتمعان في محل واحد ... الخ» المازندراني 22٤/١١ .
(٩)9- أي الذي اشتهر كرمه وظهر .
(١٠)10- الملهوج : الحريص . ووجه اشترائهما الموت رضاهما به ، لأن الكريم إذا اشتهر كرمه توجه الناس إليه بما عجز عن قدر اشتهاره وعلو همته وخجل مما نسب إليه فرضي بالموت، وأما الحريص فلأنه لم يبلغ ما حرص عليه فلا يزال يتعب نفسه ويزيد حرصه فيتمنى بذلك «الموت الوافي للفيض، ص 8 .

:  · /kafi/8/23/