Misbah Library
فروع الكافي 4 ٢٠١

و لا لزمت الأسماء ١ أهاليها على معنى مُبين، و لذلك لو أنزل الله من السماء آيةً فَظَلّت أعناقُهم لها خاضعين، و لو فعل لسقط البلوى عن النّاس أجمعين، و لكن الله جلَّ ثناؤه، جعل رسله أُولي قوَّة في عزائم نيّاتهم، و ضَعَفَةً فيما ترى الأعين من حالاتهم من قناعة تملأ القلوب و العيون غناؤه ٢ و خصاصة تملأ الأسماع و الأبصار أذاؤه ٣، و لو كانت الأنبياء أهل قوَّة لا تُرام ٤ و عزَّة لا تُضام ٥، و مُلْك يمدّ نحوه أعناقُ الرّجال ٦، و يشدُّ إليه عقد الرِّحال، لكان أهون على الخلق في الاختبار، و أبعد لهم في الاستكبار، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، فكانت النّيات مشتركة ٧،

و الحسنات مُقْتَسَمة، و لكن الله أراد أن يكون الإتّباع لرسله، و التصديق بكُتُبه، و الخشوع لوجهه، و الاستكانة لأمره و الاستسلام لطاعته، أُموراً له خاصّة، لا تشوبها من غيرها شائبة، و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظمَ، كانت المثوبة و الجزاء أَجْزَلَ ٨، الا ترَوْنَ أَنَّ الله جلَّ ثناؤه اختبر الأوّلين من لَدُنْ آدم إلى الآخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضرُّ و لا تنفع، و لا تبصر و لا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الّذي جعله للنّاس قياماً ٩، ثمَّ وضعه بأوْعَرِ بقاع الأرض حجراً و أقلَّ نتائق ١٠ الدُّنيا مَدَراً، و أضيق بطون الأودية معاشاً، و أُغلظ محالِّ

(١)1- كالمؤمن و الكافر و الورع و المتقي و المنافق ... الخ.
(٢)2- في النهج: غِنى.
(٣)3- في النهج: أذى.
(٤)4- أي يُقصد و يطلب.
(٥)5- ضامه حقه: نقصه إياه، و الضيم: الظلم.
(٦)6- يُمَدِّ نحوه أعناق ...: كناية عن الطموح إلى الملك و تأميله.
(٧)7- أي لم تكن النيات خالصة لله، بل تشترك فيها الرغبة و الرهبة و غيرهما بغيره و لغيره. و سوف يتوضح هذا المعنى بعد قليل.
(٨)8- أجزل: أعظم.
(٩)9- إشارة إلى قوله تعالى في سورة المائدة/97. و يقول الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان 1 - 247/2: ﴿القيام، مصدر كالصيام، أي جعل الله حج الكعبة، أو نصب الكعبة قياماً للناس، أي لمعايش الناس و مكاسبهم لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة و أنواع البركة ... وقيل: معناه أنهم لو تركوه عاماً لم يحجّوه لما. نوظروا أن يهلكوا ...﴾. أقول: إن المناسك التي يؤديها الإنسان المؤمن حول البيت العتيق كلها تستبطن حكماً عظيمة و مرامي خطيرة تصب في بوتقة صهر الأمة و توحيدها من خلال ربطها بجذورها الحضارية من جهة و ربطها بالله سبحانه من جهة ثانية، و استشعارها من الجهة الأولى أنها أمة و ريثة لكل الأمم المؤمنة عبر التاريخ البشري و أنها خاتمتها على هذه الأرض بلحاظ كون رسولها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) خاتم الأنبياء و الرسل و دينها هو المهيمن على كل الأديان و استشعارها من الجهة الثانية أنها مستندة في حركتها إلى ركن شديد و قوة لا تعلوها قوة، و في ذلك كله ما فيه من نهوض لها لتأخذ دورها القيادي للبشرية جمعاء فلا تستكين لظالم و لا تنالها و صمة التبعية، و أنعِمْ بذلك من قيام نهضوي رائع لا يجعل لغير الإسلام طريقاً إلى عزة الإنسانية و لا يكون معبود غير الله سبحانه.
(١٠)10- النتائق: جمع النتيقة، و هي فعلية بمعنى المفعولة من النتق، و هو أن تقلع الشيء فترفعه من مكانه لترمي به. هذ هو الأصل، و أراد بها هنا البلاد لرفع بنائها و شهرتها في موضعها. هكذا قاله ابن الأثير في نهايته- بتصرف- 13/5

:  · /kafi/4/201/