Misbah Library
فروع الكافي 4 ٢٠٠

[محمد بن] عمرو بن محمد، عن عيسى بن يونس قال: كان ابن أبي العوجاء ١ من تلامذة الحسن البصريِّ ، فانحرف عن التوحيد، فقيل له؛ ترکت مذهب صاحبك و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة؟ فقال: إنَّ صاحبي كان مخلّطاً، كان يقول طوراً بالقدر، و طوراً بالجبر، و ما أعلمه اعتقَدَ مذهباً دام عليه. و قَدِم مكّة متمرّداً و إنكاراً على من يحجُّ، و كان يكره العلماء مجالسته و مساءلته لخبث لسانه و فساد ضميره، فأتى أبا عبد الله (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ) فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال: يا أبا عبد الله، إنَّ المجالس أمانات، و لا بدَّ لكلّ من به سعال أن يسعل، أفتأذن في الكلام؟ فقال: تكلّم فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر، و تلوذون بهذا الحجر، و تعبدون هذا البيت المعمور بالطُّوب و المَدَر ٢، و تهرولون حوله هرولة البعير إِذا نَفَرَ، إنَّ من فكر في هذا و قدّر، علم أنَّ هذا فعل أسّسه غير حكيم، و لا ذي نظر، فقل فإنّك رأس هذا الأمر و سنامه و أبوك أُسّهُ و تمامه؟ فقال أبو عبد الله (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ): إنَّ من أضلّه الله و أعمى قلبه، استوخم الحقَّ ٣ و لم يستعِذْ به، و صار الشيطان وليّه و ربّه و قرينه يورده مَنَاهِل ٤ الهلكة ثمَّ لا يُصْدِرُه ٥، و هذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه و زيارته و جعله محل أنبيائه، و قِبلةً للمصلّين إليه، فهو شعبة من رضوانه، و طريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال العظمة و الجلال، خلقه الله قبل دَحْوِ الأرض بألفي عام، فأحقُّ ٦ من أُطيع فيما أمر، و انتهى عمّا نهى عنه و زجر، الله المنشىءُ للأرواح و الصُّوَر ٧

2- و روي انَّ امير المؤمنين صلوات الله عليه قال في خطبة له: و لو أراد الله جلَّ ثناؤه بأنبيائه حيث بعثهم، أن يفتح لهم كنوز الذُّهبان ٨، و معادن العقيان، و مغارس الجنان، و أن يحشر طير السّماء و وحش الأرض معهم لفَعَلَ، و لو فعل لسقط البلاء، و بطل الجزاء، و اضمحلّت الأنباء، و لما وجب للقائلين ٩ أُجور المبتلين، و لا لَحِقَ المؤمنين ثوابُ المحسنين،

(١)1- هو عبد الكريم بن أبي العوجاء أحد زنادقة عصر الإمام الصادق (عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ)، قتله أبو جعفر محمد بن سليمان عامل الكوفة من جهة المنصور العباسي، و كان خال معن بن زائدة.
(٢)2- الطوب: الآجُرّ، و المَدَر: قطع الطين اليابس. و الدُّوْس: الوطء بالرِجْل.
(٣)3- استَوْخَمَ الحق: أي استثقله، كناية عن رفضه و عدم قبوله له.
(٤)4- المناهل: جمع مَنْهَل، و هو موضع الشرب.
(٥)5- الصَّدَر: الرجوع.
(٦)6- أَحَقُّ: مرفوع بالابتداء، و خبره قوله: اللهُ المنشىءُ ... الخ.
(٧)7- الفقيه 2، 64- باب ابتداء الكعبة و فضلها و ...، ح 32 بتفاوت. و رواه في البحار صدر حديث طويل عن كنز العمال، عن جعفر بن قولويه، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن العباس بن عمر الفقيمي. هذا، و الحديث مجهول.
(٨)8- الذُّهْبان: جمع الذهب. و قد مر تفسير العقيان.
(٩)9- أي للحقِّ: وقيل: من القيلولة، كناية عن العيش في الرخاء باسترخاء.

:  · /kafi/4/200/