Misbah Library
أصول الكافي 1 ٤٦

والأسلاف والكبراء، والاتكال على عقولهم في دقيق الأشياء وجليلها؟

فاعلم يا أخي رحمك اللّه، أنّ اللّه تبارك وتعالى خلق عباده خلقة منفصلة ١ من البهائم في الفطن والعقول المركبة فيهم محتملة للأمر والنهي، وجعلهم جلّ ذكره صنفين : صنفاً منهم أهل الصحة والسلامة وصنفاً منهم أهل الضرر والزمانة ٢، فخصّ أهل الصحّة والسلامة بالأمر والنهي، بعدما أكمل لهم آلة التكليف ٣، ووضع ٤ التكليف عن أهل الزمانة والضرر، إذ قد خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم، وجعل عزّ وجلّ سبب بقائهم أهل الصحّة والسلامة، وجعل بقاء أهل الصحة والسلامة بالأدب والتعليم، فلو كانت الجهالة جائزة لأهل الصحة والسلامة لجاز وضع التكليف عنهم، وفي جواز ذلك ٥ بطلان الكتب والرسل والآداب ٦، وفي رفع الكتب والرسل والآداب فساد التدبير والرجوع إلى قول أهل الدهر ٧، فوجب في عدل اللّه عزّ وجلّ وحكمته أن يخص من خلق من خلقه خلقة محتملة للأمر والنهي، بالأمر والنهي، لئلا يكونوا سدى مهملين وليعظموه ويوحدوه، ويقروا له بالربوبية، وليعلموا أنّه خالقهم ورازقهم، إذ شواهد ربوبيته دالّة ظاهرة، وحججه نيرة واضحة، وأعلامه لائحة تدعوهم ٨ إلى توحيد اللّه عزّ وجلّ، وتشهد على أنفسها لصانعها بالربوبية والإلهيّة، لما فيها من آثار صنعه، وعجائب تدبيره، فندبهم إلى معرفته لئلا يبيح لهم أن يجهلوه ويجهلوا دينه وأحكامه، لأنّ الحكيم لا يبيح الجهل به والإنكار لدينه، فقال جل ثناؤه : «ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألّا يقولوا على اللّه إلّا الحقّ» ٩ وقال: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) ١٠، فكانوا محصورين بالأمر والنهي، مأمورين بقول الحقّ، غير مرخص لهم في المقام

(١)1- أي متميزة عن العجماوات بالعقول والإدراك. وبهذا صح تكليفهم بالخطاب أمراً ونهياً.
(٢)2- أهل الضرر هم مكفوفو البصر والزمانة مصدر زَمِن وهي العاهة وعدم بعض الأعضاء وتعطيل القوى والأطباء يخصونها بالشلل كما في القاموس المحيط.
(٣)3- هي القوى والحواس التي تجعلهم يدركون الخطاب الإلهي فيتبعثون به أو ينزجرون.
(٤)4- لاستحالة التكليف مع عدم القدرة التي هي شرط عقلي فيه.
(٥)5- أي وضع التكليف.
(٦)6- إذ لا يعود هنالك داع لإرسالهم أو إنزالها.
(٧)7- وهم الدهريون الّذين يثبتون الصانع وينكرون المعاد ومن ينكر المعاد لا يعترف بحساب ولا ثواب ولا عقاب وبهذا تبطل فلسفة التشريع ويفسد التدبير.
(٨)8- إشارة إلى الدليل الإني وهو ما يكون فيه المعلول واسطة في الإثبات، أي علة للعلم بالعلة.
(٩)9- الأعراف/ ١٦٩.
(١٠)10- یونس/ ٣٩.

:  · /kafi/1/46/