Misbah Library
أصول الكافي 1 ٤٥

كلّما مضى منهم إمامٌ ١، نصب لخلقه من عقبه إماماً بيّناً، وهادياً نيراً، وإماماً قيماً ٢، يهدون بالحقّ وبه يعدلون حجج اللّه، ودعاته، ورعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد ٣، ويستهل بنورهم البلاد جعلهم اللّه حياة للأنام، ومصابيح للظلام ومفاتيح للكلام، ودعائم للإسلام، وجعل نظام طاعته وتمام ٤ فرضه التسليم لهم فيما عُلم والردّ إليهم فيما جهل وحظر على غيرهم التهجم على القول بما يجهلون، ومنعهم جحد ما لا يعلمون، لما أراد تبارك وتعالى من استنقاذ من شاء من خلقه، من ملمات الظُّلَم ٥ ومغشيات البهم ٦. وصلّى اللّه على محمّد وأهل بيته الأخيار، الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس [أهل البيت] وطهرهم تطهيراً.

أما بعد، فقد فهمت يا أخي ما شكوتَ من اصطلاح ٧ أهل دهرنا على الجهالة، وتوازرهم ٨ وسعيهم في عمارة طرقها، ومباينتهم ٩ العلم وأهله، حتّى كاد العلم معهم أن يأرز كله ١٠ وتنقطع مواده، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل، ويضيعوا العلم وأهله ١١.

وسألت : هل يسع النّاس المُقَام على الجهالة والتدين بغير علم، إذا كانوا داخلين في الدّين مقرّين بجميع أموره على جهة الاستحسان، والنشوء عليه ١٢، والتقليد للآباء،

(١)1- إشارة إلى أن الأرض لا تخلو من حجة اللّه على خلقه وقد وردت بذلك كثير من الروايات، فراجعها في كتاب الحجّة من هذا المجلد.
(٢)2- أي قائماً بأمر الأمة. راجع مرآة العقول للمجلس (رضیَ اللّهُ عنهُ) ١٤/١.
(٣)3- أي يتخذ العباد من سيرتهم السوية طريقاً ومنهاجاً يتعبدون اللّه به.
(٤)4- إشارة إلى قوله تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل / ٤٥. وقوله تعالى : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) النساء / ٦٣ وقوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا... الخ) المائدة / ٦١. حيث فسرت الروايات (أهل الذكر) (وأولي الأمر) (والّذين آمنوا) بالأئمّة الهداة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
(٥)5- «الملمة النازلة من نوازل الدنيا والإلمام النزول... والظلم جمع الظلمة خلاف النور» الرواشح ص/٢٦.
(٦)6- «المغشيات على صيغة الفاعل من غشيه غشياناً أي جاءه واعتراه... والبهم جمع بهم وهي مشكلات الأمور ومعضلات المسائل» الرواشح ص /٢٦. والمعنى : أن اللّه سبحانه عندما أراد أن يخرج الخلق من الجهل به إلى نور المعرفة، ويزيح عن بصائرهم تلك الحجب التي قد تحول بينهم وبين ما فيه سعادتهم في الدارين، نصب لهم الحجج الطاهرة علائم ومنائر وهداة.
(٧)7- أي تبانيهم وتوافقهم.
(٨)8- أي تعاضدهم.
(٩)9- أي ومفارقتهم.
(١٠)10- أَرَزَ يارز وبارز ويأرز أروزاً انقبض وتجمع وثبت فهو آرز. ومنه الحديث «أن الإسلام ليارزُ إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» أي يرجع ويلوذ وينقبض فيها كما تلوذ الحية إلى جحرها وترجع إليه.
(١١)11- استنادهم إلى الجهل رجوعهم إلى غير أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في شؤون الدّين والدنيا ممّن يعملون بأهوائهم وظنونهم وبذلك يكونون قد اعتمدوا على أهل الجهل وضيعوا من أمروا في الأساس بمتابعتهم والأخذ عنهم وهم الراسخون في العلم وبذلك ضيعوا العلم وأهله.
(١٢)12- الاستحسان هو عد الشيء حسناً أو قبيحاً في المادي والمعنوي لا لحجة وبرهان بل لمجرد ميل الطبع إليه أو نفوره منه، أو لمكان الاعتياد عليه وعدمه نتيجة معايشته معه منذ نعومة الأظفار إلى زمان اليفاعة والشباب.

:  · /kafi/1/45/