Misbah Library
أصول الكافي 1 ٤٢

الأشياء، والدائم الّذي به قوامها والقاهر الّذي لا يؤوده حفظها، والقادر الّذي بعظمته تفرد بالملكوت ١، وبقدرته توحد بالجبروت، وبحكمته أظهر حججه على خلقه ٢ ؛ اخترع الأشياء إنشاء، وابتدعها ابتداءً ٣، بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الإختراع، ولا لعلة فلا يصح الابتداع خلق ما شاء كيف شاء، متوحداً بذلك ٤ لإظهار حكمته، وحقيقة ربوبيته، لا تضبطه العقول ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلّت دونه الأبصار ٥، وضلّ فيه تصاريف الصفات ٦.

احتجب بغیر حجاب محجوب، واستر بغير ستر مستور ٧، عُرف بغير رؤية٨، ووصف ٩ بغير صورة، ونُعِت بغير جسم، لا إله إلّا اللّه الكبير المتعال، ضلّت الأوهام عن بلوغ

(١)1- الملكوت فَعَلُوت من الملك وهي من صيغ المبالغة، وهو اسم لعالم المجردات العقلية جميعها كعالم الغيب وعالم الأمر الخ وذلك في مقابل عالم المُلك اسم لعوالم الحسيات والجسمانيات.
(٢)2- أي اقتضى علمه تعالى المحيط بالمصالح والمفاسد بعثة الأنبياء والرسل ونصب الأوصياء حججاً أدلاء على الحقّ ليقوم النّاس بالقسط وتحدد الحقوق والواجبات فينشأ المجتمع العابد في الأرض.
(٣)3- القاسم المشترك بين الاختراع والابتداع من حيث المعنى هو إيجاد الشيء لا على مثال ولا عن أصل. وقد يكون المقصود بالاختراع هنا الإيجاد لا عن علة مادية وبالابتداع الإيجاد لا عن علة غائية بل بمحض حكمته سبحانه، ويؤيد ما تلاه من كلام.
(٤)4- «يعني خلق ما شاء حال كونه وحدانياً ذاتاً وصفة إذ لم يخلق إلّا لإظهار علمه بالنظام الأكمل... لا لغاية أخرى... الخ» راجع الرواشح ص 17.
(٥)5- المقصود بالأبصار البصائر لا العيون.
(٦)6- هذا مأخوذ من قول الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فضلت فيك الصفات وتفسخت فيك النعوت»، أي أن كلّ وصف تصوره إنسان فإنما يرجع إلى مثله هو وشبهه في عالم الممكنات واللّه واجب الوجود فكيف تصدق عليه صفات الممكن؟
(٧)7- (حجاب محجوب وستر مستور إما من باب: (... حجاباً مستوراً) [الإسراء / ٤٥] أي حجاباً على حجاب بناءً على أن أقصى مراتب شدة الإحجاب لو كان من تلقاء حجاب كان لا محالة بحجاب على حجاب فنفى ذلك على قوانين البلغاء) راجع الرواشح ص 20 وإما من باب الوصف بحال المتعلق. وعلى كلّ فالظاهر أن المقصود بالحجاب والستر أعم من الحجاب والستر الحسيين فيشمل الحجاب المعنوي المضروب بين اللّه ومخلوقاته المحجوب عند إدراكهم فلا يستطيعون أن يدركوا كنهه وحقيقته لا في الدنيا ولا في الآخرة.
(٨)8- الأنه لما استحالت عليه الجسمية باعتباره واجب الوجود لذاته والغني عن الزمان والزماني والمكان والمكاني انحصر طريق معرفته بآثاره وأفعاله. أو يقال : بأن العاقل إذا تأمل في نفسه وفيما يحيط به من عوالم وجزم بأن كلّ ما يشاهده متغير، وعلم بأن كلّ متغير حادث وأدرك بأن كلّ حادث لا بد له من محدث من غير سنخ هذا العالم وإلا لتسلسل، علم بأن ذلك المحدث لا بد وأن يكون واجب الوجود لذاته، وهو اللّه سبحانه.
(٩)9- لما كانت صورة أي شيء هي الحد المساوي لذاته، وذلك يستدعي أن يكون ذا ماهية كلية مركبة من جنس وفصل ولما كان وجود اللّه سبحانه عين ذاته فهو بسيط لا تركيب فيه استحال أن يوصف كما يوصف الحادث وفق صورته المنتزعة عن وجوده الخارجي، ولذلك قال بعد ذلك : ونَعِتَ من غير جسم.

:  · /kafi/1/42/