Misbah Library
أصول الكافي 1 ١٨٨

يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له : ذعلب، ذو لسان بليغ في الخطب، شجاع القلب، فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ قال : ويلك يا ذعلب، ما كنت أعبد رباً لم أره. فقال : يا أمير المؤمنين كيف رأيته ؟ قال : ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة ١ الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ويلك يا ذعلب إنَّ ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف٢، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شيء، لا يقال شيء قبله، وبعد كلّ شيء، لا يقال له بعد، شاء الأشياء لا بهمة ٣، درّاك لا بخديعة ٤ في الأشياء كلّها غير متمازج بها ولا بائن منها ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية ٥، ناءٍ لا بمسافة قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم فاعل لا باضطرار مقدّر لا بحركة مريد لا بهمامة٦، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن ولا تضمّنه الأوقات ولا تحدّة الصفات ولا تأخذه السنات ٧، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ٨ وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضدَّ له، وبمقارنته بين الأشياء عُرف أن لا قرين له، ضادَّ النور بالظلمة، واليبس بالبلل والخشن باللين والصرد بالحَرور ٩، مؤلّف بين متعادياتها، ومفرّقُ بين متدانياتها، دالّة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلّفها، وذلك قوله تعالى : (ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون١٠). ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بَعدَ له شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ١١ ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه. كان ربّاً إذ لا مربوب، وإلهاً إذ لا مألوه، وعالماً إذ لا معلوم، وسميعاً إذ لا مسموع.

(١)1- إن فتحنا همزة (الأبصار) فالإضافة لامية وإن كسرناها الإبصار) فالإضافة بيانية.
(٢)2- (أي لطافته) تعالى خفية لا تصل إليها العقول ولا يوصف باللطف الجسماني مرآة المجلسيّ 9٤/٢.
(٣)3- أي لا بخطور نفسي ولا بإرادة كإرادتنا لأن إرادته عين ذاته
(٤)4- «أي أنّه سبحانه عالم بما في الضمائر والمكامن من غير مكر وحيلة يتوسل بهما إلى الوصول إلى ذلك كما قد يفعله بعض النّاس» الوافي ٩٥/١.
(٥)5- «أي ظاهر غير خفي على عباده بالآيات والأدلة لا بظهور وانكشاف من رؤية» مرآة المجلسيّ ٩٥/٢.
(٦)6- أي بهمة وقد مر معناها.
(٧)7- جمع سِنَة وهي النعاس يسبق النوم، أو هي أول النوم.
(٨)8- «لأنه بتشعيره عزّ وجلّ إياها عُرف أن المشاعر محتاجة إلى مشعر يشعرها فلو كان له عزّ وجلّ مشعر لكان محتاجاً إلى من يشعر له إذ لا يجوز أن يفيض على نفسه المشعر من حيث هو فاقد له فيكون محتاجاً بذاته» الوافي ٩٥/١.
(٩)9- «الصِّرْد : البرد، فارسي معرب والحرور : الريح الحارة وهي بالليل كالسموم بالنهار» المازندراني ٢٢٤/٤.
(١٠)10- الذاريات / ٤٩.
(١١)11- «أي بالحجب الجسمانية أو الأعم ليعلم أن ذلك نقص وعجز وهو منزّه عن ذلك» مرآة المجلسيّ ١٠٠/٢.

:  · /kafi/1/188/