Misbah Library
الغدير 7 ٢٨٤

ولو کان أبو بکر شريکاً لرسول الله في الرسالة وممنوحاً من الله بفضيلة النبوّة ، وکانت قريش والعرب تطلبه کما تطلب محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لکان للجاحظ أن يقول ذلک ، فأمّا وحاله حاله ، وهو أضعف المسلمين جناناً ، وأقلّهم عند العرب ترةً ١ ، لم يَرمِ قَطّ بسهمٍ ، ولا سلّ سيفاً ، ولا أراق دماً ، وهو أحد الأتباع ، غير مشهور ولا معروف ، ولا طالب ولا مطلوب ، فکيف يجوز أن يجعل مقامه ومنزلته مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنزلته؟ ولقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشرکين يوم أُحد فرآه أبو بکر ، فقام مغيظاً عليه ، فسلّ من السيف مقدار إصبع يروم البروز إليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا أبا بکر شِم سيفک وأمتعنا بنفسک». ولم يقل له : «وامتعنا بنفسک» ، إلاّ لعلمه بأنّه ليس أهلاً للحرب وملاقاة الرجال وأنّه لو بارز لقُتل.

وکيف يقول الجاحظ : لا فضيلة لمباشرة الحروب ولقاء الأقران وقتل أبطال الشرک؟ وهل قامت عمد الإسلام إلاّ على ذلک؟ وهل ثبت الدين واستقرّ إلاّ بذلک؟ أتراه لم يسمع قول الله تعالى (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا کَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) ٢؟ والمحبَّة من الله تعالى هي إرادة الثواب ، فکلّ من کان أشد ثبوتاً في هذا الصفّ وأعظم قتالاً ، کان أحبّ إلى الله ، ومعنى الأفضل هو الأکثر ثواباً ، فعليّ عليه السلام إذ هو أحبّ المسلمين إلى الله لأنّه أثبتهم قدماً في الصفّ المرصوص ، لم يفرّ قطّ بإجماع الأمّة ، ولا بارزه قرن إلاّ قتله ، أوَتراه لم يسمع قول الله تعالى : (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) ٣؟ وقوله : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) ٤؟ 1.

(١)الترة : الثأر.
(٢)الصف : 4.
(٣)النساء : 95.
(٤)التوبة : 111.

:  · /ghadir/7/284/