Misbah Library
الغدير 4 ٢٠

کان يرى الشعر إحدى مآثره الجمّة ، ويعدُّه من فضائله ، وما کان يتّخذه عدّة للمدح ، ولا جُنّةً في الهجاء ، وما يهمّه التوجّه إلى الجانبين ، لم ير لأيٍّ منهما وزناً ، لعدم تحرِّيه التحامل على أحد ، وعدم اتِّخاذه مکسباً ليدرّ له أخلاف الرزق ، ولا آلةً لدنياه وجمع حطامها ، وکان يقول :

ولئن شعرتُ لَما قصد

تُ هجاءَ شخصٍ أو مديحهْ

لکن وجدتُ الشعر لل

آدابِ ترجمةً فصيحهْ

هجاؤه :

أخرج القرن الرابع شعراء هجّائين ، قد اتّخذ کلُّ واحدٍ منهم طريقة خاصّة من فنون الهجاء ، وکلُّ فنّ مع هذه نوعٌ فذٌّ في الهجاء ، يظهر ميزه متى قُرِن بالآخر ، ومنهم مکثرٌ ومنهم من استقلّ ، وشاعرنا من الفرقة الثانية ، وله فنٌّ خاصٌّ من الهجاء کان يختاره ويلتزم به في شعره.

ولعلّک تجده في فنِّه المختار مجبول خلائقه الحسنة ، ونفسيّاته الکريمة ، وملکاته الفاضلة ، فکأنّه قد خُمِرت بها فطرته ، ومُزِجت بها طينته ، أو جرت منه مجرى الدم ، واستولت على روحه ، وحکمت في کلِّ جارحةٍ منه ، حتى ظهرت آياتها في هجائه النادر الشاذّ ، فيُخيَّل إليک - مهما يهجو - أنَّه واعظ بارّ يخطب ، أو نصوحٌ يُودِّد ويعاتب ، أو مجادلٌ دون حقِّه يجامل ، لا أنَّه يغمز ويعيب ، ويغيظ في الوقيعة ويناضل ، ويثور ويثأر لنفسه ، وتجده قد اتّخذ الهجاء شکّة دفاع له لا شکّة هجوم ، وترى کلّه جائه خليّا عن لهجةٍ حادّة ، وسِبابٍ مُقذع ، عارياً عن قبيح المقال وخبث الکلام ، بعيداً عن هتک مهجوِّه ، ونسبته إلى کلِّ فاحشة ، وقذفه بکلِّ سيِّئة ، غير مستبيح إيذاء مهجوِّه ، ولا مستحلٍّ حرمته ، ولا مجوِّز عليه الکذب والتهمة ، خلاف ما جرت العادة بينک ثير من أدباء العصور المتقادمة ، فعليک النظر إلى قوله في

:  · /ghadir/4/20/