Misbah Library
الغدير 3 ٧٥

ما أوجبته الحضارة والخلاعة الفاشية في تلک الحضارة فقد حذفت منه شرّ ما فيه ، ولم يبقَ منه إلاّ ما هو من قبيل الفکاهة والتصوير.

وکان لصاحبنا فنٌّ واحد من الهجاء ، لا ترتاب في أنَّه کان يختاره ويکثر منه ولو لم تحمله الحاجة وتلجئه النقمة إليه ، ونعني به فنّ التصوير الهزليّ والعبث بالأشکال المضحکة والمناظر الفکاهيّة والمشابهات الدقيقة ، فهو مطبوعٌ على هذا کما يطبع المصوّر على نقل ما يراه ، وإعطاء التصوير حقّه من الإتقان والاختراع ، وما نراه کان يقع عنه في شعره ، ولو بطلت ضروراته وحسنت مع الناس علاقاته ، لکنّ هذا الفنّ أدخلُ في التصوير منه في الهجاء ، وهو حسنة وليس بسيّئة ، وقدرةٌ تُطلب وليس بخَلّة تُنبذ ، وأنت لا يغضبک أن ترى ابنک الذي تهذِّبه وتهديه ماهراً فيه ، خبيراً بمغامزه وخوافيه ، وإن کان يغضبک أن تراه يشتم المشتوم ، ويهين المهين ، ويهجو من يستهدف عرضه للهجاء ؛ لأنَّک إذا منعته أن يفطن إلى الصور الهزليّة وأن يفتنّ في إدراک معانيها وتم ثيل مشابهاتها منعت ملکة فيه أن تنمو ، وأبيتَ على حاسّته الصادقة فيه أن تصدقه وتفقه ما تقع عليه ، أمّا إذا منعت الهجاء وبواعثه ، فإنّک تمنع خُلُقاً يستغنى عنه ، وميلاً لا بدّ له من التقويم.

ذلک هو فنُّ ابن الرومي الذي لا عذر له منه ولا موجب للاعتذار ، فأمّا ما عدا ذلک من هجائه فهو مسوقٌ فيه لا سائق ، ومدافعٌ لا مهاجم ، ومستثارٌ عن عمد في بعض الأحيان لا مستثيرٌ ، وإنّک لتقرأ له قوله :

ما استبّ قطُّ اثنانِ إلاّ غلبا

شرّهما نفساً وأمّا وأبا

فلا تصدّق أنّ قائله هو ابن الروميّ هجّاء اللغة العربيّة وقاذف المهجوّين بکلّ نقيصة ، لکنّ الواقع هو هذا ، والواقع کذلک أنَّه کان يسکن إلى رشده أحياناً ، فيسأم الهجاء ويعافه ويودُّ الخلاص منه حتى لوکان مهجوّا معدوّا عليه،ويع تزم التوبة عن الهجاء مقسماً :

:  · /ghadir/3/75/