Misbah Library
الغدير 3 ٧٤

العصور الإسلاميّة عامّة ، أحدهما ابن الرومي ، والآخر دعبل الخزاعي هاجي الخلفاء والأمراء وهاجي الناس جميعاً والقائل :

إنّي لأَفتحُ عيني حين أفتحُها

على کثيرٍ ولکن لا أرى أحدا

وقد جمع المعرّي بينهما في بيت واحد ، وضرب بهما المثل لهجاء الدهر لبنيه ، فقال

لو أنصفَ الدهرُ هجا أهلَهُ

کأنَّه الروميُّ أو دعبلُ

وليس للمؤرّخ الحديث أن يضيف اسماً جديداً إلى هذين الاسمين ، فإنّ العصور التالية للقرن الثالث لم تخرج من يضارعهما في قوّة الهجاء والنفاذ في هذه الصناعة ، وکلاهما مع هذا نوع فذٌّ في الهجاء يظهر متى قُرن بالآخر.

فدعبل کما قلنا في غير هذا الکتاب ... (لا يهمّنا ما ذکره في دعبل) ١.

أمّا ابن الرومي فلم يکن مطبوعاً على النفرة من الناس ، ولم يکن قاطع طريق على المجتمع في عالم الأدب ، ولکنّه کان فنّاناً بارعاً أُوتي ملکة التصوير ، ولطف التخيّل والتوليد ، وبراعة اللعب بالمعاني والأشکال ، فإذا قصد شخصاً أو شيئاً به جاء صوّب إليه (مصوّرته) الواعية ، فإذا ذلک الشخص أو ذلک الشيء صورةٌ مهيّأةٌ في الشعر تهجو نفسها بنفسها ، وتعرض للنظر مواطن النقص من صفحتها کما تنطبع الأشکال في المرايا المعقوفة والمحدّبة ، فکلّ هجوه تصويرٌ مستحضرٌ لأشکاله ، أو لعبٌ بالمعاني على حساب من يستثيره.

وابن الرومي يسلب مهجوّه الفطنة والکياسة والعلم ، ويلصق به کلّ عيوب الحضارة التي يجمعها التبذّل والتهالک على اللذّات ، فإذا حذفت من هجوه کلّ ه.

(١)ما بين القوسين للمؤلّف رحمة الله.

:  · /ghadir/3/74/