Misbah Library
الغدير 3 ٧٦

آليتُ لا أهجو طوا

لَ الدهرِ إلاّ من هجاني

لا بل سأطّرحُ الهجا

ءَ وإن رماني من رماني

أمنَ الخلائقُ کُلُّهم

فليأخذوا منّي أماني

حِلْمي أعزُّ عليَّ من

غضبي إذا غضبي عَراني

أولى بجهلي بعد ما

مکّنتُ حلمي من عِناني

وهذا أشبه بابن الرومي لأنَّه في صميمه خُلِق مسالماً سهلاً ، ولم يُخلق شريراً مطويّا على الشکس والعداوة ، بل هو لو کان شرّيراً لما اضطرّ إلى کلّ هذا الهجاء ، أو هو لو کان أکثر شرّا لکان أقلّ هجاءً ، لأنَّه کان يأمن من جانب العدوان فلا يقابله بمثله ، وما کان الهجاء عنده کما قلنا إلاّ سلاح دفاع لا سلاح هجوم ، وما کان هجاؤه يشفُّ عن الکيد والنکاية وما شابههما من ضروب الشرّ المستقرّ في الغريزة ، کما کان يشفُّ عن الحرج والتبرّم والشعور بالظلم الذي لا طاقة له باحتماله ولا باتّقائه ، وکثيرٌ من الأشرار الذين يقتلون ويعتدون ويفسدون في الأرض ، يقضون الحياة دون أن تسمع منهم کلمة ذمٍّ في إنسان ، وکثيرٌ من الناس يذمّون ويتسخّطون لأنّهم على ذلک مطبوعون.

ومن قرأ مراثي ابن الرومي في أولاده ، وأمّه ، وأخيه ، وزوجته ، وخالته ، وبعض أصدقائه ، علم منها أنّها مراثي رجل مفطور على الحنان ورعاية الرحم والأنس بالأصدقاء والإخوان ، فمراثيه هي التي تدلُّ عليه الدلالة المنصفة وليست مدائحه التي کان يمليها الطمع والرغبة ، أو أهاجيه التي کان يمليها الغيظ وقلّة الصبر على خلائق الناس. ففي هذه المراثي تظهر لنا طبيعة الرجل لا تشوبها المطامع والضرورات ، ونرى فيه الولد البارّ ، والأخ الشفيق ، والوالد الرحيم ، والزوج الودود ، والقريب الرؤوف ، والصديق المحزون ، ولا يکون الرجل کذلک ثمّ يکون مع ذلک شرّيراً مغلق الفؤاد ، مطبوعاً على الکيد والإيذاء.

:  · /ghadir/3/76/