Misbah Library
الغدير 1 ٢٢

فيَستنتِج من ذلک دستوراً عامّاً للمجتمع ليعمل به متى راقه أن يأخذ حذراً عن سقوط الفرد أو تلاشی المجتمع ، فالسياسيّ يريد به الوقوف على مناهج الأُمم التي تقدّم بها الغابرون ، ومساقط الشهوات التي أسفّت بمعتنقيها إلى هوّة البوار والضعة ، فغادَرتْهم کحديث أمس الدابر ، ويريد به البصيرة فيما سلفت به التجاريب الصحيحة في المضائق والمآزق الحرجة ، وافتراع عقبات کأداء ، فيتّخذ من ذلک کلّه برنامجاً صالحاً لرُقيّ أمّته ، وتقدّم بيئته.

والأديب يقتنص شوارد التاريخ ؛ لأنَّ ما يتحرّاه من تنسيق لفظه ، وفخامة معناه ، وما يجب أن يکون في شعره أو نثره - من محسِّنات الأسلوب ، ومقرِّبات المغزى بإشارة أو استعارة - منوطٌ بالاطّلاع على أحوال الأُمم والوقوف على ما قصدوه من دقائق ورقائق.

وإذا عمّمنا التاريخ على مثل علم الرجال والطبقات ، فحاجة الفقيه إليه مسيسة في تصحيح الأسانيد ، وإتقان مدارک الفتاوى ، وبه يظهر افتقار المحدِّث إليه في مزيد الوثوق برواياته ، على أنَّ لِفنِّ الحديث مواضيع متداخلة مع التاريخ ، کما يُروى من قصص الأنبياء وتحليل تعاليمهم ؛ حيث يجب على المحدِّث المحاکمة بين ما يتلقّاه وما

يسرده التاريخ ، أو التطبيق بينهما إن جاءا متّفقَين في بيان الحقيقة.

والمفسّر لا مُنتدح له من التوغّل في التاريخ عندما يقف على آيات کريمة توعز إلى قصص الماضين وأحوالهم ؛ لضربٍ من الحکمة ، ونوعٍ من العِظَة ، وعلى آيات أخرى نزلت في شؤون خاصّة ، يفصِّلها التاريخ تفصيلاً.

والباحث إذا دقّق النظرة في أيّ علم يجد أنّ له مسيساً بالتاريخ لا يتمّ لصاحبه غايته المتوخّاة إلّا به.

فالتاريخ إذاً ضالّة العالِم ، وطَلِبة المتفنّن ، وبُغية الباحث ، وأُمنيّة أهل الدين ومقصد الساسة ، وغرض الأديب. والقول الفصل : إنَّه مأرب المجتمع البشريّ أجمع ،

:  · /ghadir/1/22/