وهو التاريخ الصحيح الذي لم يُقصد به إلّا ضبط الحقائق على ما هي عليه ، فلم تعبث به أغراض مستهدفة ، ولم يعِثْ فيه نزعات أهوائية ، ککثيرٍ ممّا أُلِّف من زُبُر التاريخ التي روعي في جملة منها جلب مرضاة القادة والأُمراء ، أو تدعيم مبدأ أو فکر مفکّر ، أو أُريد به التحليق بأشخاص معلومين إلى أوْج العظمة ، والإسفاف بآخرين إلى هُوّة الضعة ؛ لمغازٍ هنالک تختلف باختلاف الظروف والأحوال.
أو اختلط١ فيه الحابل بالنابل بتوسّع المؤلّفين لما حَسِبوه من أنَّ الإحاطة بکلّ ما قيل توسّعٌ في العلم ، وإحسانٌ في السمعة ؛ ذهولاً منهم عن أنَّ مقادير الرجال بالدراية لا بالرواية٢ ، فأدخلوا في التاريخ هفواتٍ لا تُحصى ، غيرَ شاعرين بأنّ رواة تلک السفاسفِ زبائنُ عصبة ، وحنّاقٌ على عصبة ؛ أو أنّهم قصّاصون غير مکترثين من الإکثار في النقل الخرافيّ أو الافتعال ؛ إکباراً لِلسمعة ، أو نزولاً على حکم النهَمة ، فتلقّتْها عنهم السذّج في العصور المتأخِّرة کحقائق راهنة ، وتنبّه لها المنقِّب فوجدها أحاديث خرافيّة فرفضها ، غيرَ مُبالٍ بالطعن على التاريخ ، فلا شعر أولئک أنّها وليدةُ تقاليدَ أو مطامع ، ولا عرف هذا أنَّ الآفة في وَرَطات القالة ، وسوء صنيع الکَتَبة ، لا في أصل الفنّ ، ولو ذهبنا إلى ذکر الشواهد لهذه کلّها لخرج الکتاب عن وضعه.
هکذا خفيت الحقيقة بين مُفرِط ومُفرِّط ، وذهبت ضحيّة الميول والشهوات ،
:
· /ghadir/1/23/