Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 1 ١٧٩

درجة قد أوثر بها غيركما- كما أردتما- بغير حكم الله تعالى.

قال الله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها عن الجنة، بوسوسته و خديعته و إيهامه و غروره، بأن بدأ بآدم فقال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ «1» إن تناولتما منها تعلمان الغيب، و تقدران على ما يقدر عليه من خصه الله تعالى بالقدرة أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ «2» لا تموتان أبدا.

وَ قاسَمَهُما «3» حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ «4» و كان إبليس بين لحيي ٥ الحية أدخلته الجنة، و كان آدم يظن أن الحية هي التي تخاطبه، و لم يعلم أن إبليس قد اختفي بين لحييها.

فرد آدم على الحية: أيتها الحية، هذا من غرور إبليس لعنه الله، كيف يخوننا ربنا؟ أم كيف تعظمين الله بالقسم به و أنت تنسبينه إلى الخيانة و سوء النظر و هو أكرم الأكرمين، أم كيف أروم التوصل إلى ما منعني منه ربي عز و جل، و أتعاطاه بغير حكمه؟! فلما يئس إبليس من قبول أمره ٦ منه، عاد ثانية بين لحيي الحية فخاطب حواء من حيث يوهمها أن الحية هي التي تخاطبها، و قال: يا حواء، أ رأيت هذه الشجرة التي كان الله عز و جل حرمها عليكما، قد أحلها لكما بعد تحريمها لما عرف من حسن طاعتكما، و توقير كما إياه؟ و ذلك أن الملائكة الموكلين بالشجرة- التي معها الحراب، يدفعون عنها سائر حيوان الجنة- لا تدفعك عنها، إن رمتها ٧، فاعلمي بذلك أنه قد أحل لك، و أبشري

بأنك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلطة عليه، الآمرة الناهية فوقه.

فقالت حواء: سوف أجرب هذا. فرامت الشجرة فأرادت الملائكة أن تدفعها عنها بحرابها، فأوحى الله تعالى إليها: إنما تدفعون بحرابكم من لا عقل له يزجره، فأما من جعلته متمكنا ٨ مختارا، فكلوه إلى عقله ٩ الذي جعلته حجة عليه، فإن أطاع استحق ثوابي، و إن عصى و خالف أمري استحق عقابي و جزائي، فتركوها و لم يتعرضوا لها، بعد ما هموا بمنعها بحرابهم، فظنت أن الله تعالى نهاهم عن منعها لأنه قد أحلها بعد ما حرمها.

فقالت: صدقت الحية. و ظنت أن المخاطب لها هي الحية، فتناولت منها و لم تنكر ١٠ من نفسها شيئا.

فقالت: يا آدم، ألم تعلم أن الشجرة المحرمة علينا قد أبيحت لنا؟ تناولت منها فلم يمنعني أملاكها، و لم أنكر شيئا من ذلك.

(٥)اللحي: عظم الحنك، و اللّحيان: العظمان اللّذان تنبت اللحية على بشرتهما. «مجمع البحرين- لحا- 1: 373».
(٦)في المصدر: آدم.
(٧)رمت الشي ء: إذا طلبته «الصحاح- روم- 5: 1938».
(٨)في المصدر: ممكنا مميّزا.
(٩)وكل فلانا إلى رأيه: تركه و لم يعنه. «معجم الوسيط 2: 1054».
(١٠)التنكّر: التغيّر. «لسان العرب- نكر- 5: 234».
*(1، 2) الأعراف 7: 20. [.....] (3، 4) الأعراف 7: 21.

:  · /burhan/1/179/