Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 86 ١٣٩

تفصيل و لنذكر الأحكام المستنبطة من تلك الآيات مجملا

الأول أن تلك الآيات تدل على وجوب صلاة الجمعة عينا في جميع الأزمان و لنذكر أولا الاختلافات الواقعة فيها ثم لنتعرض لوجه الاستدلال بالآيات على ما هو الحق عندي منها.

اعلم أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب صلاة الجمعة وجوبا عينيا في الجملة و إنما الخلاف في بعض شرائطها و الكلام على وجوه تفصيلها أنه هل يشترط الإمام أو نائبه ١ أم لا و علی تقدير الاشتراط هل هو شرط الانعقاد أو شرط الوجوب؟

(١)1- 1. الإمامة التي تعتقدها الشيعة الإماميّة انما تساوق معنی الولاية و تستلزم العصمة من اللّٰه عزّ و جلّ في العلم و العمل متأيدة بالروح القدس و اشاراته و الهاماته، و هذا معنى لا يتصور فيه النيابة حتّى يدعيها مدع، الا من اشتبه عليه لفظ الإمامة بالمعنی الذي تعتقده الجمهور حيث لا يعتقدون بالعصمة و الولاية و انما هي عندهم بمعنی سياسة شئونهم و تدبير أمرهم كما كان يتكفل السلاطين و الامراء شئون أمتهم و سياسة مجتمعهم. فالامام عندنا هو الذي جهزه اللّٰه بحقيقة العلم و الحكمة و ميزه بالولاية التكوينية و أصدره من لباب المعرفة، ثمّ نصبه علما هاديا و وليا مرشدا يهدی الی طريق الحق و صراط مستقيم. يتلو عليهم آيات اللّٰه مبينة، و يعلمهم الكتاب و الحكمة، و يرشدهم الى معالم السنة و يزكيهم عن ادناس الشبهة و في كل ذلك معتصم بعصمة اللّٰه عزّ و جلّ مؤيد بالروح القدسي« يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» فاذا كانت الإمامة بهذا المعنی، و الولاية و العصمة من شئونها و أسرارها، فكيف تقبل النيابة، و كيف يجترئ أحد علی ادعائها! أ هناك من يقف موقف الامام و يغنی مغناه؟ أو من يقوم بأعباء الإمامة و الولاية و يسد مسدها؟ أو هل عرفت أحدا من الفقهاء صدر من لباب العلم و الحكمة؟ أو عرف الكتاب- و فيه الهدى و النور- حق معرفته فلم يقل انه ظني الدلالة، أو أيقن بأن هذا ... حكم اللّٰه عزّ و جلّ، و لم يتعذر بأن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم، أو ... أو ... نعم قد جعل للفقهاء كثر اللّٰه أحياءهم منصب القضاء و جواز الافتاء، و ذلك من زمن الباقرين عليهما السلام، حيث بلغ كثير من أصحابهما رضوان اللّٰه عليهم مبلغ الفتوى و تولية القضاء لكنه منصب لا يتقلده المفتی بعنوان النيابة عن الامام و لذلك لم يختص بزمن الغيبة، بل هو منصب كسائر المناصب المجعولة، يقلدها الامام لمن تصداه كامارة الحاجّ، و ولاية الثغور، و بعث السرايا. فوظيفتهم التورع عن المحارم، و التحرّي لمعرفة حقائق الاحكام، و الاجتهاد في الدين و لو أن أحدا اتبع الشيطان و عبد الطاغوت و تعدی ما بعث لاجله كما فعل خالد بن الوليد حين بعثه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله الى بنی جذيمة من كنانة، لكان مثله، و لقال فيه الامام كما قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله رافعا يديه الى السماء: اللّٰهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد ثلاث مرّات. و أمّا الحكومة و القضاء في الأمور التي تعرض الأمة الإسلامية و مجتمعهم، فأمرهم كان إلی اللّٰه و رسوله صلى اللّٰه عليه و آله ، لكنه مع ذلك أمر رسوله صلى اللّٰه عليه و آله أن يستشيرهم في تلك الأمور و يكون هو الامير في شوراهم، و ذلك بعد ما تولوا يوم التقى الجمعان و قالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، و كثر القيل و القال في ذلك حتى أنكروا عليه من الخروج من المدينة، و قد كانوا هؤلاء الناقدين أشاروا إليه صلى اللّٰه عليه و آله بأن يغزوا المشركين في أزقة المدينة و حوائطها فأنزل عليه:« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»، و هكذا مدح المؤمنين في آية الشورى باستشارتهم في الأمور حيث قال عزّ و جلّ:« وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ». فهذه الحكومة و القضاء على الأمة بأجمعهم و تولية أمورهم انما كان للّٰه و لرسوله بعد المشورة منهم برئاسة الرسول صلى اللّٰه عليه و آله ، و من بعده يكون لمن هو صاحب الامر و العزم من الرسول، كما يقول عزّ و جلّ:« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْكُمْ» و معرفة هذه الآية حقّ معرفتها أن اللام في« الرسول» عوض عن المضاف إليه- كما هو الشأن في سائر الموارد- و هكذا اللام في« الْأَمْرِ» و يكون تقدير الكلام أطيعوا اللّٰه و أطيعوا رسوله و أطيعوا أولی أمر الرسول، فتجب على المؤمنين اطاعة من أمره رسول اللّٰه علی المسلمين عند مضيه صلى اللّٰه عليه و آله و هم الأئمّة الطاهرون كما نص عليهم عزّ و جلّ في قوله:« إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ» الآية الكريمة. و معلوم أن هذا المقام انما فوض الى الرسول و أولی أمره لكونهم معصومين أولی الولاية الكبرى، فلا يصحّ أن يقوم مقامهم أحد من عرض الناس كما لم يكن لاحد أن ينوب عنه و يقف موقفه في الفتيا و لا غيرها من شئون الإمامة- اللّٰهمّ الا بأن ينعقد سقيفة بنی ساعدة مرة اخرى و ... و أمّا الحكومة و القضاء على الافراد بأشخاصهم، فكل أحد مختار بنفسه ينفذ في نفسه و ماله الذي اكتسبه بعمل يديه ما شاء، لا حكومة عليه في أموره الشخصية لاحد، الا للّٰه و لرسوله كما قال عزّ و جلّ:« وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَی اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً» و إذا كانت الحكومة و القضاء هذه أيضا للائمة الهادين كما هو الظاهر من آية الولاية، كانت من شئون الإمامة التي لا يتحصل الا لمن كان معصوما و قد عرفت تمام البحث فيه. فاذا لم يكن للفقيه ولاية علی المسلمين، و لا صح كونه نائبا عن وليهم لا يصحّ له الامر بنداء الصلاة يوم الجمعة و لا وجب علی من سمع النداء أن يجيبها، فان النداء لم يكن من قبل الولي حتّى يجب الإجابة له، و هذا واضح ممّا عرفت في آية الجمعة« إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ» حق الوضوح. على أن صلاة الجمعة لا ريب أنّها من شئون الرئاسة و الحكومة و ذلك بمعنى فعليتها لا جعل الحكومة شرعا، و لذلك ترى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لم يصل صلاة الجمعة في مكّة، مع انه كان يصلّی بجماعة المسلمين في دار الارقم بن أبی الارقم، حتى إذا هاجر الی المدينة صلى صلاة الجمعة في أول يوم ورده- و كان يوم الجمعة- و ذلك لانه قد قام علی عرش الحكومة الإلهيّة ذاك اليوم. و هكذا الروايات التي تنص علی أن الجمعة انما تقام بعد حضور سبعة أحدهم الامام و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام التصريح بأنهم: الامام، و قاضيه، و المدعی حقا، و المدعی عليه( كأنّه عليه السلام يعنی الوكيل المدافع و الذي يدعی عليه لقيامه بالامور الحسبية) و الشاهدان، و الذي يضرب الحدود بين يدي الامام، تشير الی أن الجمعة انما يقيمها ولی المسلمين إذا كان له البسطة في الرئاسة و الحكومة، و علی هذا. فلو ثبت لفقهاء الأمة نيابة عن الامام في الحكومة علی الناس لما جاز لهم أن يقيموا الجمعة، و هم بعد رعايا السلاطين تسوقهم سوق الاغنام، فكيف و لم يثبت لهم نيابة أبدا.

:  · /bihar/86/139/