أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ ١، في مناقب٢لو ذكرتها لعظَّم بها الارتفاع فطال لها الاستماع، ولئن تَقَمَّصها دوني الأشْقَيَان٣، ونازعاني فيما ليس لهما بحق، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وَرَدا ، ولبئس ما لأنفسهما مَهَدا، يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه، يقول القرينه إذا التقيا : ﴿ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴾٤، فيجيبه الأشقى على رثوثة٥: يا ليتني لم أتخذك خليلاً ٦، لقد أضللتني عن الذِّكْر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً ، فأنا الذكر الذي عنه ضلَّ، والسبيلٌ الذي عنه مَالَ، والإيمان الذي به كفر، والقرآن الذي إياه هجر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نَكَبَ ٧، ولئن رتعا في الحُطام ٨المنصرم والغرور المنقطع ، وكانا منه على شَفَا حفرة من النار لهما على شر ورود، في أخيب وفود وألعن مورود ، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة، ما لهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة ٩، إن القوم لن يزالوا عبّادَ أصنام وسَدَنَةً١٠أوثان ، يقيمون لها المناسك، وينصبون لها العتائر١١، ويتخذون لها القربان، ويجعلون لها البَحِيرَة والوصيلة والسائبة والحامّ ١٢، ويستقسمون بالأزلام عامهين عن الله عز ذكره. حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى العباد، وقد استحوذ عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية، ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة، فأَخْرَجَنا الله إليهم رحمة، واطلعنا عليهم رأفة، وأسفر بنا عن الحُجُب نوراً
(١)1- الأنعام / ٦٢ . ولعله أراد(عليه السلام)عندما استشهد بهذه الآية، أن يبين أن المراد بالمولى فيها هو نفسه(عليه السلام)وأنه مولاهم الحق، إذ إن ردّهم إليه(عليه السلام)في النتيجة هو رد إلى الله سبحانه .
(٢)2- أي فى جملة مناقب كثيرة .
(٣)3- أي جعلا الخلافة عليهما كالقميص والمراد بهما الأول والثاني .
(٤)4- الزخرف/ 38 . بعد المشرقين : أي بعد كل منهما من الآخر.
(٥)5- الرثاثة : - في الحال والمنظر - الدمامة والقبح، وثياب رثة : أي بالية خَلِقَة. وفي الوافي : على وُتُوبه .
(٦)6- في سورة الفرقان/ 28 وهو بصدد حوار أهل النار﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾. والخليل: الصديق المخلص، أو الحبيب.
(٧)7- نكَبَ : أي عدل. وفي الوافي : تنكّب.
(٨)8- الحطام :الهشيم.
(٩)9- المندوحة : السعة وفسحة للنجاة .
(١٠)10- سدنة : جمع سادن وهو الخادم القائم على أمور شخص أو جهة .
(١١)11- العتائر : جمع العنيرة، وهي الذبيحة التي كانوا في الجاهلية يقدمونها للأصنام، ويلطخونها بدمائها .
(١٢)12- البحيرة : الناقة إذا نُتِجَتْ خمسة أبطن عُمدِ إلى الخامس، فما لم يكن ذكراً بتكَ آذانها أي شقها ثم لا يَجُز لها وبراً ولا يذوق لها لبناً، وسمّاها لآلهتهم والوصيلة : الشاة إذا ولدت سبعاً ، عمد إلى السابع فإن كان ذكراً ذبح لآلهتهم وإن كان أنثى ،تركت وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما قالوا وصلت أخاها، فيتركان جميعاً لا يُذبحان، والسائبة ما يسيّبُ من ماله ولا يُمنع من حوض ولا حمى ، وهي الماشية المسيبة المخلاة، وكانوا في الجاهلية يفعلون ذلك ببعض مواشيهم فيحرمون الانتفاع بها على أنفسهم ويتركونها سائبة لآلهتهم . والحامي : الفحل يكون عند الرجل فإذا لقح عشر سنين قيل : قد حمى ظهره وسمي بالحامّ .