Misbah Library
الروضة من الكافي 8 ١٨

تصريف أيّامها ،وتغير انقلابها. ومَثُلاتِها١، وتلاعبها بأهلها، إنها لترفع الخميل وتضع الشريف، وتورد أقواماً إلى النار غداً، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمتنبه، إن الأمور الواردة عليكم في كل يوم وليلة، من مظلمات٢الفتن، وحوادث البدع، وسنن الجور، وبوائق الزمان٣، وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان، لتثبط القلوب عن تنبهها، وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحق، إلا قليلاً ممن عصم الله ، فليس يعرف تَصَرُّفَ أيامها وتقلّبَ حالاتِها وعاقبةَ ضرر فتنتها إلا من عصم الله ، ونهج سبيل الرشد ، وسلك طريق القَصْد، ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرر الفكر واتعظ بالصبر فازدجر، وزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذّاتها، ورغب في دائم نعيم الآخرة وسعى لها سعيها ، وراقب الموت ، وشَنَا٤الحياة مع القوم الظالمين، نظر إلى ما في الدنيا بعين نيّرة حديدة البصر، وأبصر حوادث الفتن، وضلال البدع، وجور الملوك الظَّلَمَة، فلقد لعمري استدبرتم الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة، والانهماك فيما تستدلّون به على تجنّب الغُواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحق ، فاستعينوا بالله، وارجعوا إلى طاعة الله وطاعة من هو أَوْلى بالطاعة ممن اتُّبعَ فأطيع.

فالحذرَ الحذرَ من الندامة والحسرة، والقدوم على الله والوقوف بين يديه، وتالله ما صدر قوم قطُّ عن معصية الله إلا إلى عذاب، وما آثر قوم قطُّ الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم، وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه، وحثّه الخوف على العمل بطاعة الله، وإن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملواله ورغبوا إليه وقد قال الله :﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾٥، فلا تلتمسوا شيئاً مما في هذه الدنيا بمعصية الله ، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله، واغتنموا أيامها ، واسعوا لما فيه نجاتكم غداً من عذاب الله ، فإن ذلك أقل للتَّبِعَة وأدنى من العذر، وأرجى للنجاة، فقدموا أمر الله ، وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها، ولا تقدّموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت من زهرة الدنيا بين يدي الله وطاعته، وطاعة أولي الأمر منكم .

(١)1- مَثُلات: مثُلة. جمع والمقصود بها هنا العقوبة الفاضحة التي يُتمثَلُ بها . ومنه قوله تعالى في سورة الرعد /٦ : ﴿وقد خَلَتْ من قبلهم المَثُلات﴾.
(٢)2- في الوافي : من ملمّات .
(٣)3- البوائق : جمع البائقة وهي الداهية وقيل : البوائق : الظلم والغشم ، وقيل : الشر والغوائل .
(٤)4- شَنَا : أبْغَضَ .
(٥)5- فاطر / 28 .

:  · /kafi/8/18/