ثمَّ أخبر تبارك وتعالى أنّه لم يأمر بالقتال إلّا أصحاب هذه الشّروط، فقال عز وجل١: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ».
وذلك أنَّ جميع ما بين السماء والأرض الله عزّ وجلَّ ولرسوله ولأتباعهما من المؤمنين من أهل هذه الصفة، فما كان من الدُّنيا في أيدي المشركين والكفّار والظلمة والفجّار، من أهل الخلاف لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلّم) والمولّي عن طاعتهما ممّا كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصفات، وغلبوهم عليه، ممّا أفاء الله على رسوله فهو حقّهم أفاء الله عليهم، وردَّه، إليهم، وإنّما معنى الفيءِ : كلُّ ما صار إلى المشركين ثمَّ رجع ممّا كان قد غلب عليه أو فيه . فما رجع إلى مكانه من قول أو فعل فقد فاء مثل قول الله عزَّ وجل : «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»٢أي رجعوا، ثمَّ قال: «وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»٣.
وقال: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (أي ترجع) فَإِنْ فَاءَتْ (أي رجعت) فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»٤يعني بقوله : «تفيء» ترجع، فذلك الدَّليل على أنَّ الفيىء : كلُّ راجع إلى مكان قد كان عليه أو فيه. ويقال للشمس إذا زالت: قد فاءت الشمس، حين يفييء الفييء عند رجوع الشمس إلى زوالها، وكذلك ما أفاء الله على الكفّار، فإنّما هي حقوق المؤمنين رجعت إليهم بعد ظلم الكفّار إيّاهم، فذلك قوله : «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا»، ما كان المؤمنون أحقَّ به منهم، وإنّما أذن للمؤمنين الّذين قاموا بشرائط الإيمان الّتي وصفناها، وذلك أنّه لا يكون مأذوناً له في القتال حتّى يكون مظلوماً، ولا يكون مظلوماً حتّى يكون مؤمناً، ولا يكون مؤمناً حتّى يكون قائماً بشرائط الإيمان الّتي اشترط الله عزَّ وجلَّ على المؤمنين والمجاهدين، فإذا تكاملت فيه شرائط الله عزَّ وجلَّ كان مؤمناً، وإذا كان مؤمناً كان مظلوماً ، وإذا كان مظلوماً كان مأذوناً له في الجهاد لقوله عزّ وجلَّ «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير»، وإن لم يكن مستكملاً لشرائط الإيمان، فهو ظالم، ممّن يبغي ويجب جهاده حتّى يتوب، وليس مثله مأذوناً له في الجهاد والدُّعاءِ إلى الله عزّ وجلَّ، لأنّه ليس من المؤمنين المظلومين الّذين أذن لهم في القرآن في
:
· /kafi/5/16/