Misbah Library
أصول الكافي 1 ٦٢

يا هشام: إنّ العاقل رضي بالدون ١ من الدنيا مع الحكمة، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.

يا هشام: إنَّ العقلاء تركوا فضول الدنيا ٢ فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل، وترك الذنوب من الفرض.

يا هشام : إنَّ العاقل نظر ٣ إلى الدنيا وإلى أهلها، فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة. ونظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، فطلب بالمشقّة أبقاهما ٤.

يا هشام: إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة ٥ والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه وآخرته.

یا هشام: من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين، فليتضرع إلى اللّه عزّ وجلّ في مسألته بأن يُكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً.

یا هشام : إن اللّه حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) ٦ حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ٧.

إنه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة

(١)1- الدون : الشيء القليل أو الحقير.
(٢)2- المراد بها هنا المباحات.
(٣)3- أي ببصره ويصيرته.
(٤)4- لأن العاقل يختار أن يصرف طاقته فيما هو أنفع له وأجلّ ولا إشكال في أن الأبقى وهو الآخرة أنفع وأجلّ من الزائل الّذي هو الدنيا.
(٥)5- طالبية الدنيا عبارة عن إيصالها الرزق المقدر إلى من هو فيها ليكونوا فيها إلى الأجل المقرر ؛ ومطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها، وطالبية الآخرة عبارة عن بلوغ الأجل وحلول الموت لمن هو في الدنيا ليكونوا فيها، ومطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها ؛ ولا يخفى أن الدنيا طالبة بالمعنى المذكور لأن الرزق فيها مقدر مضمون يصل إلى الإنسان لا محالة، طلبه أو لا (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وأن الآخرة طالبة أيضاً لأن الأجل مقدر كالرزق مكتوب (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) الوافي للفيض ١ ص / ٣٠.
(٦)6- آل عمران/ 8.
(٧)7- الزيغ هو الانحراف عن الحقّ والميل عنه إلى الأهواء والشهوات والأباطيل.

:  · /kafi/1/62/