Misbah Library
الغدير 9 ٣٤٤

الطبيعي ، والقول في تلکم الحوادث على الحقائق المحضة ، هکذا يحسب الدکتور ، لکنّه سرعان ما انقلب على عقبيه کرّا على ما فرّ منه ، فلم يسعه إلاّ الرکون إلى العواطف ومتابعة النزعات ، فلم يرتد إلاّ تلکم السفاسف التي اختلقتها سماسرة العثمانيين ، ولم يسرح في مسيره إلاّ مقيّداً بسلاسل أساطير الأوّلين التي سردها الطبري ومن شايعه أو سبقه بتلک الأسانيد الواهية والمتون المزيّفة التي أوقفناک عليها في هذا الجزء وفيما سبقه من الأجزاء ، فلم نجد مائزاً بين هذا الکتاب وبين غيره من الکتب التي حسب الدکتور أنّ مؤلّفيها حدت بهم الميول والنزعات ، فما هو إلاّ فتنة کبرى کما سمّاه هو بذلک!

ترى الدکتور يحايد حذراً من أن يحيد عن مهيع الحقّ ويجور في الحکم ، وزعم الحياد أسلم في اليوم الحاضر کما کان في الأمس الدابر ، فذهب مذهب سعد بن أبي وقّاص الحائد في القضيّة واتّبع أثره ، قال في ديباجة کتابه ١ : عاش قوم من أصحاب النبيّ حين حدثت هذه القضيّة وحين اختصم المسلمون حولها أعنف خصومة عرفها تاريخهم فلم يشارکوا فيها ولم يحتملوا من أعبائها قليلاً ولا کثيراً ، وإنّما اعتزلوا المختصمين وفرّوا بدينهم إلى الله ، وقال قائلهم سعد بن أبي وقّاص ; : لا أُقاتل حتى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول : أصاب هذا وأخطأ ذاک.

فأنا أُريد أن أذهب مذهب سعد وأصحابه رحمهم الله ، لا أُجادل عن أُولئک ولا عن هؤلاء ، وإنّما أُحاول أن أتبيّن لنفسي وأُبيّن للناس الظروف التي دفعت أُولئک وهؤلاء إلى الفتنة ، وما استتبعت من الخصومة العنيفة التي فرّقتهم وما زالت تفرّقهم إلى الآن ، وستظلّ تفرّقهم في أکبر الظنّ إلى آخر الدهر ، وسيرى الذين يقرؤون هذا الحديث أنّ الأمر کان أجلّ من عثمان وعليّ وممّن شايعهما وقام من دونهما ، وأنّ غير عثمان لو ولي خلافة المسلمين في تلک الظروف التي وليها عثمان لتعرّض لمثل ما تعرّض له من 0.

(١)الفتنة الکبرى : 4 / 200.

:  · /ghadir/9/344/