Misbah Library
الغدير 8 ٥٠٠

أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِکَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) ١ وأيّ فساد في الأرض أعظم من هذا المبدأ التعيس المضادّ للکتاب والسنّة؟ وفي الکتاب الکريم قوله سبحانه : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّکَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّکَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ٢. وأما السنّة الشريفة فحدّث عنها في باب الأموال والاختصاص فيها وتقرير ميسرة الأغنياء ولا حرج. وبذلک کلّه تقوم دعائم المدنيّة ، وتشاد علالي الحضارة الراقية.

ثناء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه وعهده إليه :

أمّا ما أُثر عن نبيّ الإسلام من ذلک فقد قدّمنا شطراً منه في صفحة ⁦(312 - 319)⁩ ولا منتدح من أن نقول : إنّ نبيّ العظمة کان جدّ عليم بواسع علم النبوّة بما سوف ينوء به أبو ذر في خواتيم أيّامه بأقوال وأعمال تبهظ مناوئيه ، وکان يعلم أيضاً أنّ أُمّته سيتّخذون کلّ ما لهج به أصولاً متّبعة. فلو کان يعلم في أبي ذر شذوذاً لما أغرى الأُمّة بموافقته بتلکم الکلم الدرّية ، على أنّه صلى الله عليه وآله وسلم عهد إليه وأخبره أنّ ما يصيبه من الکوارث من جرّاء ما يدعو إليه في الله وبعينه ؛ فلا يعقل أن يکون في رأيه شذوذ عن طريقة الدين ، بل کان من واجبه صلى الله عليه وآله وسلم أن يُنبّهه على خطئه في الرأي وغلطه في الدعوة ، فإذ لم يفعل وأشفع ذلک بثنائه البالغ عليه وعهده إليه علمنا أنّ أبا ذر هو ذلک البرّ التقيّ ، ورجل الإصلاح ، ومثال العطف والحنوّ على ضعفاء الأُمّة ، وطالب الخير والسعادة لأقويائها ، ولقد تحمّل الشدائد لينقذ المکبّين على الدنيا من مغبّة العمل السيّئ ، وليسعد آخرين برغد العيش وبُلهنية الحياة ، موصولة حلقات حياتهم الدنيا بدرجات الآخرة العليا ، لکن جهلوه وجهلوا أمره وجهلوا حقّه ، 2.

(١)المائدة : 33.
(٢)الزخرف : 32.

:  · /ghadir/8/500/