Misbah Library
الغدير 6 ٢١٤

فينفض ريشه وجناحيه على رأس الملک بما فيه من المسک وماء الورد ، فمکث الملک في ملکه ثلاثين سنة من غير أن يصيبه صداع ولا وجع ولا حمّى ولا لعاب ولا بصاق ولا مخاط ، فلمّا رأى ذلک من نفسه عتا وطغى وتجبّر واستعصى وادّعى الربوبيّة من دون الله تعالى ودعا إليه وجوه قومه ، فکلّ من أجابه أعطاه وحباه وکساه وخلع عليه ، ومن لم يجبه ويتابعه قتله ، فأجابوه بأجمعهم فأقاموا في ملکه زماناً يعبدونه من دون الله تعالى ، فبينما هو ذات يوم جالس في عيدٍ له على سريره والتاج على رأسه إذ أتى بعض بطارقته فأخبره أنّ عساکر الفرس قد غشيته يريدون قتله ، فاغتمّ لذلک غمّا شديداً حتى سقط التاج عن رأسه وسقط هو عن سريره ، فنظر أحد فتيته الثلاثة الذين کانوا عن يمينه إلى ذلک وکان عاقلاً يقال له تمليخا ، فتفکّر وتذکّر في نفسه وقال : لو کان دقيانوس هذا إلهاً کما يزعم لما حزن ولما کان ينام ولما کان يبول ويتغوّط ، وليست هذه الأفعال من صفات الإله ، وکانت الفتية الستّة يکونون کلّ يوم عند واحد منهم ، وکان ذلک اليوم نوبة تمليخا فاجتمعوا عنده فأکلوا وشربوا ولم يأکل تمليخا ولم يشرب ، فقالوا : يا تمليخا ما لک لا تأکل ولا تشرب؟ فقال : يا إخواني قد وقع في قلبي شيء منعني عن الطعام والشراب والمنام. فقالوا : وما هو يا تمليخا؟ فقال : أطلت فکري في هذه السماء فقلت : من رفعها سقفاً محفوظاً بلا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها؟ ومن أجرى فيها شمسها وقمرها؟ ومن زيّنها بالنجوم؟ ثمّ أطلت فکري في هذه الأرض ؛ من سطحها على ظهر اليمّ الزاخر؟ ومن حبسها وربطها بالجبال الرواسي لئلاّ تميد؟ ثمّ أطلت فکري في نفسي فقلت : من أخرجني جنيناً من بطن أُمّي؟ ومن غذّاني وربّاني؟ إنّ لهذا صانعاً ومدبّراً سوى دقيانوس الملک ، فانکبّت الفتية على رجليه يقبّلونهما وقالوا : يا تمليخا لقد وقع في قلوبنا ما وقع في قلبک ، فأشر علينا. فقال : يا إخواني ما أجد لي ولکم حيلة إلاّ الهرب من هذا الجبّار إلى ملک السموات والأرض. فقالوا : الرأي ما رأيت ، فوثب تمليخا فابتاع تمراً بثلاثة دراهم وصرّها في ردائه ورکبوا خيولهم وخرجوا ، فلمّا ساروا قدر ثلاثة أميال من المدينة

:  · /ghadir/6/214/