Misbah Library
الغدير 5 ١٦

عرفتُ ويا ليتني ما عرفتُ

فمرُّ الحياةِ لمن قد عرفْ

فها أنا ذا طولَ هذا الزمانِ

بين الجوى تارةً والأسفْ

فمن راحلٍ لا إيابٌ له

وماضٍ وليس له من خلَفْ

فلا الدهرُ يُمتعني بالمقيمِ

ولا هو يُرجِعُ لي من سلفْ

أرونيَ إن کنتمُ تقدرون

من ليسَ يکرعُ کأسَ التلفْ

ومن ليس رهناً لداعي الحِمامِ

إذا ما دعا باسمه أو هتفْ

وما الدهر إلاّ الغَرورُ الخدوعُ

فما ذا الغرامُ به والکَلَفْ

وما هو إلاّ کلمحِ البُروقِ

وإلاّ هبوبُ خريفٍ عصفْ

ولم أرَ يوماً وإن ساءني

کيومِ حمامِ کمالِ الشرفْ

کأنِّيَ بعدَ فراقٍ له

وقطعٍ لأسبابِ تلک الألفْ

أخو سَفَرٍ شاسعٍ ما لهُ

من الزادِ إلاّ بقايا لَطَفْ ١

وعوّضني بالرقادِ السهادَ

وأبدلني بالضياءِ السدفْ

فراقٌ وما بعده ملتقىً

وصدٌّ وليس له منعطفْ

وعاتبت فيک صروفَ الزمانِ

ومن عاتب الدهرَ لم ينتصفْ

وقد خطف الموتُ کلَّ الرجالِ

ومثلک من بيننا ما خطفْ

وما کنتَ إلاّ أبيَّ الجَنانِ

على الضيمِ محتمياً بالأَنَفْ

خليّا من العارِ صِفْرَ الإزارِ

مدى الدهرِ من دنسٍ أو نَطَفْ

وأذري الدموعَ ويا قلّما

يرُدُّ الفوائتَ دمعٌ ذَرَفْ

ومن أين ترنو إليک العيونُ

وأنت ببَوْغائها في سجفْ

فَبِنْ ما مُلِلْتَ وکم بائنٍ

مضى موسعاً من قلىً أو شَنَفْ ٢

وسُقِّي ضريحک بين القبورِ

من البرِّ ماشئته واللُّطفْض.

(١)اللَّطَف : اليسير من الطعام.
(٢)الشنَف : البغض.

:  · /ghadir/5/16/