Misbah Library
الغدير 3 ٧٠

بئست لَعَمرُ الله تلکَ طبيعةٌ

حَرَمَت أبانا قُربَ أکرِم جارِ

واستأسرت ضَعفَي بنيهِ بعدَه

فهمُ لها أسرى بغير إسارِ

لکنّها مأسورةٌ مقصورةٌ

مقهورةُ السلطانِ في الأحرارِ

فجسومُهم من أجلِها تهوي بهم

ونفوسُهم تسمو سموّ النارِ

لو لا منازعةُ الجسومِ نفوسَهم

نفروا بِسَورَتِها من الأقطارِ

أو قصّروا فتناولوا بأکفّهمْ

قمرَ السماءِ وکلَّ نجمٍ سارِ

قال الأميني : لقد عزى الکاتب هاهنا إلى المترجَم هنات لا مقيل لها في مستوى الحقيقة ، ومنشأ ذلک بُعده عن علم الأخلاق ، وعدم تعقّله معنى الشعر ، فَحَسِبَهُ منافياً للتوحيد الذي جاء به نبيّ الإسلام ، لکن العارف بأساليب الکلام ، العالم بما جبل به الإنسان من الغرائز المختلفة ، لا يکاد يشکّ في صحّة معنى الشعر ، وهو يعرب عن إلمام ابن الرومي بالأخلاق ، والمتکفّل لتفصيل هذه الجملة کتب الأخلاق وما يضاهيها ، ولخروج البحث عن موضوع الکتاب ضربنا عنه صفحاً.

قال : وابن الرومي کان مفطوراً على التديّن لأنَّه کان مفطوراً على التهيّب والاعتماد على نصير ، وهما منفذان خفيّان من منافذ الإيمان والتصديق بالعناية الکبرى في هذا الوجود ، ومن ثمّ کان مؤمناً بالله خوفاً من الشکّ ، مقبلاً على ال تسليم ، بسيطاً في تسليمه بساطة من يهرب من القلق ويؤثر السکينة على أيّ شيء. وبلغ من بساطته أنَّه کان ينکر على الحکماء الذين يشکّون في حفظ أجساد الأتقياء بعد الموت ويحسبونه من فعل الدواء والحنوط ، فقال لابن أبي ناظرة حين تذوّق بعض الأجساد ليعلم ما فيها من عوامل البقاء :

ياذائق الموتى ليعلمَ هل بقوا

بعد التقادمِ منهمُ بدواءِ

بيّنتَ عن رعة وصدقِ أمانة

لو لا اتّهامُک خالقَ الأشياءِ

أحسِبتَ أنّ الله ليس بقادرٍ

أن يجعلَ الأمواتَ کالأحياءِ

وظننتَ ما شاهدتَ من آياته

بلطيفةٍ من حيلةِ الحکماءِ

:  · /ghadir/3/70/