Misbah Library
الغدير 3 ٥١٢

فلمّا رأى سعد امتناعه منه شقّ عليه ، وخضع للرهبان ورفق بهم ، ولم يجيبوه وقالوا : في هذا علينا إثم وعار ونخاف السلطان ، فکان إذا وافى الدير أغلقوا الباب في وجهه ، ولم يدعوا الغلام يکلّمه.

فاشتدّ وجده وازداد عشقه ، حتى صار إلى الجنون ، فخرق ثيابه ، وانصرف إلى داره فضرب جميع ما فيها بالنار ، ولزم صحراء الدير ، وهو عريان يهيم ، ويعمل الأشعار ويبکي.

قال أبو بکر الصنوبريّ : ثمّ عبرت يوماً أنا والمعوج من بستان بتنا فيه فرأيناه جالساً في ظلّ الدير ، وهو عريان وقد طال شعره ، وتغيّرت خلقته ، فسلّمنا عليه ، وعذلناه وعتبناه ، فقال : دعاني من هذا الوسواس ، أتريان ذلک الطائر على هيکل؟ وأومأ بيده إلى طائر هناک. فقلنا : نعم. فقال : أنا وحقِّکما يا أخويَّ أناشده منذ الغداة أن يسقط فأحمِّله رسالة إلى عيسى. ثمّ التفت إليَّ وقال : يا صنوبري معک ألواحک؟ قلت : نعم. قال : اکتب :

بدينِکِ يا حمامةَ ديرِ زَکّى

وبالإنجيلِ عندَکِ والصليبِ

قِفي وتحمّلي عنّي سلاماً

إلى قمرٍ على غُصْنٍ رَطيبِ

حَماهُ جماعةُ الرهبانِ عنّي

فقلبي ما يَقِرُّ من الوجيبِ

عليهِ مسوحُهُ ١ وأضاء فيها

وکان البدرُ في حُلَل المغيبِ

وقالوا رابنا إلمامُ سعدٍ

ولا والله ما أنا بالمريبِ

وقولي سعدُکَ المسکينُ يشکو

لهيبَ جوىً أحرَّ من اللهيبِ

فَصِلْهُ بنظرةٍ لکَ من بعيدٍ

إذا ما کنتَ تمنعُ من قريبِ

وإن أنا متُّ فاکتبْ حول قبري

محبٌّ ماتَ من هجر الحبيبِ

رقيبٌ واحدٌ تنغيصُ عيشٍ

فکيف بمن له ألفا رقيبِف)

(١)المسوح : ما لبس من نسيج الشعر تقشّفاً وقهراً للبدن. جمع مِسح بکسر الميم. (المؤلف)

:  · /ghadir/3/512/