Misbah Library
الغدير 2 ٥٠٧

فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية والذين بايعوه على الموت ، فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بُديل ، وبعث إلى حبيب بن مَسلَمة الفهري وهو في الميسرة ، أن يحمل عليه بجميع من معه ، واختلط الناس واضطرم الفيلقان ؛ ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام ، وأقبل عبد الله بن بُديل يضرب الناس بسيفه قُدُماً ، حتى أزال معاوية عن موقفه وجعل ينادي : يا ثارات عثمان! وإنّما يعني أخاً له قُتل ، وظنَّ معاوية وأصحابه أنّه يعني : عثمان بن عفان ، وتراجع معاوية عن مکانه القهقرى کثيراً ، وأرسل إلى حبيب بن مسلَمة مرّة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه ، ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق ، فکشفها حتى لم يبق مع ابن بُديل إلاّ نحو مائة إنسان من القرّاء ، فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم ، ولجَّ ابن بُديل في الناس ، وصمّم على قتل معاوية ، وجعل يطلب موقفه ، ويصمد نحوه حتى انتهى إليه ، ومع معاوية عبد الله بن عامر واقفاً ، فنادى معاوية بالناس : وَيْلَکم ؛ الصخر والحجارة إذا عجزتم عن السلاح. فرضخه الناس بالصخر والحجارة ، حتى أثخنوه فسقط ، فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه.

وجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه ؛ فأمّا عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه وترحّم عليه وکان له من قبلُ أخاً وصديقاً ، فقال معاوية : اکشف عن وجهه. فقال : لا والله لا يُمثَّل به وفيَّ روح ، فقال معاوية : اکشف عن وجهه فإنّا لا نُمثِّل به ؛ قد وهبناه لک. فکشف ابن عامر عن وجهه فقال معاوية : هذا کبش القوم وربّ الکعبة ، اللهمّ أظفِرني بالأشتر النخعي والأشعث الکندي! والله ما مثل هذا إلاّ کما قال الشاعر ١

أخو الحرب إن عضّت به الحربُ عضّها

وإن شمّرَتْ عن ساقِها الحربُ شمّرا

ويحمي إذا ما الموت کان لقاؤه

قِدى الشِّبْر ٢ يحمی الأنف أن

يتأخّرا

ه.

(١)هو حاتم الطائي من قصيدة في ديوانه : ص 121 [ص 49] ، ولم يُرْوَ فيه البيت الثالث. (المؤلف)
(٢)قِدى الشبر : قدره.

:  · /ghadir/2/507/