Misbah Library
الغدير 2 ٢٨٩

ظلمة الليل هارباً ، وقد أقعدوا على کلِّ طريق جماعة ليأخذوه إذا ما خرج في خفية ، فلمّا وصل الکميت إلى الفضاء وأراد أن يسلک طريقاً جاء أسدٌ يمنعه من أن يسري منها ، فسلک جانباً آخر فمنعه منه أيضاً ، کأنَّه أشار إلى الکميت أن يسلک خلفه ، ومضى الأسد في جانب الکميت ، إلى أن أمِن وتخلّص من الأعداء.

وفي معاهد التنصيص ١ ⁦(2 / 28)⁩ : قال المستهلّ : أقام الکميت مدّة متوارياً ، حتى إذا أيقن أنَّ الطلب خفَّ عنه خرج ليلاً في جماعة من بني أسد على خوف ووجل ، وفيمن معه صاعد غلامه ، وأخذ الطريق على القطقطانة ، وکان عالماً بالنجوم مهتدياً بها ، فلمّا صار سحيراً صاح بنا : هوِّموا ٢ يا فتيان. فهوّمنا ، وقام فصلّى. قال المستهلّ : فرأينا شخصاً ، فتضعضعت له. فقال : ما لک؟ قلت : أرى شخصاً مقبلاً. فنظر إليه ، فقال : هذا ذئب قد جاء يستطعمکم ، فجاء الذئب فربض ناحيةً ، فأطعمناه يد جزور فتعرّقها ، ثمَّ أهوينا له بإناء فيه ماء فشرب منه ، فارتحلنا ، وجعل الذئب يعوي ، فقال الکميت : ماله ويله ، ألم نطعمه ونسقه؟! وما أعرفني بما يريد ، هو يدلّنا أنّا لسنا على الطريق! تيامنوا يا فتيان. فتيامنّا ، فسکن عواؤه ، فلم نزل نسير حتى جئنا الشام ، فتوارى في بني أسد وبني تميم.

وهذا جانب عظيم من نواحي مکرمات الکميت وفضائله ، لو أُضيف إلى ما يظهر من کلماته المعربة عن نفسيّاته ، ومواقفه الکاشفة عن خلائقه الکريمة ، وما قيل فيه وفي مآثره الجمّة يمثّله بين يدي القارئ بمظاهر روحيّاته ، ونصب عينيه مجالي نفسيّاته ، وأمثلة مکارم أخلاقه ، وما کان يحمله بين جنبيه من العلم ، والفقه ، والأدب ، والإباء ، والشمم ، والحماسة ، والهمّة ، واللباقة ، والفصاحة ، والبلاغة ، والخلق الکامل ، وقوّة القلب ، والدين الخالص ، والتشيّع الصحيح ، والصلاح المحض ، والرشد والسداد ، إلى فضائل تکسبه فوز النشأتين لا تُحصى. ف)

(١)معاهد التنصيص : 3 / 98 رقم 148.
(٢)هَوّم تهويماً : نام قليلاً. (المؤلف)

:  · /ghadir/2/289/