Misbah Library
الغدير 2 ٢١٩

وبعدها ، إلى أن اصطلمه القدر الحاتم ، واخترمته منيّته يوم خابت أمنيّته ، فطفق يتقلقل بين أطباق الجحيم ، وتضربه زبانيتها بمقامع من حديد ، ولعلّنا ألمسناک هذه الحقيقة باليد ، فلن تجد في تضاعيف هاتيک الأعوام له مأثرةً يتبجّح بها ابن أنثى ، خلا ما تقوّله زبائنه من أعداء أهل البيت عليهم السلام ، وما عسى أن يکون مقيلها من ظلِّ الحقِّ؟ بعد ما أثبتناه من الحقيقة الراهنة ، ووقفنا عليه من أحوال رواة السوء وشناشنهم في افتعال المدائح للزعانفة المؤتلفة معهم في النزعات الباطلة.

وأمّا تأميره في غزوة ذات السلاسل فلا يجديه نفعاً بعد ما علمناه من أنَّه کان يتظاهر بالإسلام ، ويبطن النفاق في طيلة حياته ، وما کان الصالح العامّ والحکمة الإلهيّة يحدوان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على العمل بالبواطن ، وإنّما يجاري القوم مجاري ظواهرهم ؛ لأنَّهم حديثو عهد بالجاهليّة ، والإسلام لمّا يتحکّم في أفئدتهم ، فلو کاشفهم على السرائر لانتکصوا على أعقابهم ، وتقهقروا إلى جاهليّتهم الأولى ، فکان يسايرهم على هذا الظاهر ، لعلّهم يتمرّنون باعتناق الدين ، ويأخذ من قلوبهم محلّه ؛ ولذلک إنَّه صلى الله عليه وآله وسلم کان يعلم بنفاق کثير من أصحابه کما أخبره الله تعالى بقوله (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ) ١ إلى غيرها من الآيات الکريمة ، لکنَّه يستر عليهم رعاية لما أبرمه حذار الانتکاث ، فکان تأمير عمرو - مع علمه بنفاقه - لتلک الحکمة البالغة ، غير ملازم لحسن حاله على ما عرفته من کلام مولانا أمير المؤمنين ، من أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لمّا عقد له الراية شرط عليه شرطاً قد أخلفه.

ويُعرب عن حقيقة ما نرتئيه قول أبي عمرو وغيره : إنَّ عمرو بن العاص ادّعى على أهل الإسکندريّة أنّهم قد نقضوا العهد الذي کان عاهدهم ، فعمد إليها فحارب أهلها وافتتحها ، وقتل المقاتلة ، وسبى الذريّة ، فنقم ذلک عليه عثمان ، ولم يصحّ عنده نقضهم العهد ، فأمر بردّ السبي الذي سبوا من القرى إلى مواضعهم ، وعزل عمراً عن 1.

(١)التوبة : 101.

:  · /ghadir/2/219/