Misbah Library
الغدير 2 ١٤١

کلّ هذه آيةٌ محکمةٌ ، تدلّ على اطِّلاعه الغزير في المعالم الدينيّة ، وبرهنة واضحة تثبت طول باعه في العلوم الإلهيّة ، ومثل قيس إذا کان أخذه ، وسماعه ، وروايته ، عن مثل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ينحسر البيان عن استکناه فضله ، ويقصر التعريف عن درک مداه.

ومن شواهد غزارة علمه : إسلامه الراسخ ، وإيمانه المستقرّ ، وعرفانه بأولياء الأمر بعد نبيِّه ، وتهالکه في ولائهم ، وتفانيه في نصرتهم إلى آخر نفَسٍ لفَظه ، وعدم اکتراثه بلومة أيِّ لائم. وکان هناک قوم حنّاق عليه ، من أهل النفاق وحملة الحقد والضغينة ، يعيِّرونه بولاء العترة الطاهرة ، وعدم إيثاره على دينه عوامل النهمة ، وعدم تأثّره ببواعث الفخفخة أو دواعي الجشع ، وعدم انتظاره منهم في دولتهم لرتبة ولا راتب ، وعدم إرادته منهم على ولائه جزاءً عاجلاً ولا شکوراً ، ويشفُّ عن ذلک ما وقع بينه وبين حسّان بن ثابت ، لمّا عزله أمير المؤمنين عن ولاية مصر ، ورجع إلى المدينة ، فإنَّه حينما قدمها جاءه حسّان شامتاً به ، وکان عثمانيّا ، فقال له : نزعک عليُّ ابن أبي طالب ، وقد قتلت عثمان فبقي عليک الإثم ، ولم يحسن لک الشکر!. فزجره قيس وقال : يا أعمى القلب وأعمى البصر! والله لو لا أن ألقي بين رهطي ورهطک حرباً ، لضربت عنقک ، ثمَّ أخرجه من عنده ١.

ولولا أنّ قيساً مستودع العلوم والمعارف ، ومستقى معالم الدين ، ومعقد جمان الفضيلة ، کما کانت له الشهرة الطائلة في الدهاء والحزم ، لمَا ولاّه أمير المؤمنين عليه السلام مصر لإدارة شئونها الدينيّة والمدنيّة ، کما فوّض إليه إقامة أمورها السياسيّة والإداريّة والعسکريّة ، ولما کتب إليه بما مرَّ (ص 71) من کلامه عليه السلام : «وعَلّمْ مِن قِبلک ممّا علّمک الله». فإنّ عامل الخليفة هو مرجع تلکم الشؤون کلّها في الوسط الذي استعمل به ، وموئل أمّته في کلّ مشکلة دينيّة ، کما أنّ له إمامة الجمعة والجماعة ، وما کان للخليفة ف)

(١)تاريخ الطبري : 5 / 131 [4 / 555 حوادث سنة 36 ه] ، شرح ابن أبي الحديد : 2 / 25 [6 / 64 خطبة 67]. (المؤلف)

:  · /ghadir/2/141/