من لا يحضره الفقيه
3
٨٩
باب 352: الحكم بالقرعة
3391 - روى حماد بن عيسى ، عمن أخبره ، عن حريز ١ عن أبي جعفر عليه السلام قال : «أول من سوهم عليه مريم بنت عمران وهو قول اللّه عزوجل : « وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم « والسهام ستة ، ثم استهموا في يونس عليه السلام لما ركب مع القوم فوقعت ٢ السفينة في اللجة ، فاستهموا فوقع السهم على يونس ثلاث مرات قال : فمضى يونس عليه السلام إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه ، ثم كان عند عبد المطلب تسعة بنين فنذر في العاشر إن رزقه اللّه غلاما أن يذبحه ٣ ، فلما ولد عبد اللّه لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله في صلبه
(١)1- كان فيه اضطراب لان حماد بن عيسى يروى عن حريز بلا واسطة في جميع ما يروى عنه ، والصواب كما في الخصال والبحار وغيرهما عن حماد بن عيسى عن حريز عمن أخبره عن أبي جعفر عليه السلام وكان حريز من أصحاب أبي عبد اللّه وموسى بن جعفر عليهما السلام وقال يونس : انه لم يرو عن أبي عبد اللّه عليه السلام الا حديثين ، وهو لم يدرك أبا جعفر الباقر عليه السلام.
(٢)2- في بعض النسخ « فوقفت ».
(٣)3- جاءت هذه القصة في كثير من كتب الحديث من الطريقين واشتهرت بين الناس و أرسلها جماعة من المؤلفين ارسال المسلمات ونقلوها في مصنفاتهم دون أي نكير ، وهي كما ترى تضمنت أمرا غريبا بل منكرا لا يجوز أن ينسب إلى أحد من أوساط الناس والسذج منهم فضلا عن مثل عبد المطلب الذي كان من الأصفياء وهو في العقل والكياسة والفطنة على حد يكاد أن لا يدانيه أحد من معاصريه ، وقد يفتخر النبي صلى اللّه عليه وآله مع مقامه السامي بكونه من أحفاده وذراريه ويباهي به القوم ويقول : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب. و في الكافي روايات تدلّ على عظمته و جلالته و كمال ايمانه و عقله و درايته و رئاسته في قومه ففى المجلد الأول منه ص 446 في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال« يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمّة واحدة، عليه سيماء الأنبياء و هيبة الملوك» يعنى إذا حشر الناس فوجا فوجا يحشر هو وحده، لانه كان في زمانه منفردا بدين الحق من بين قومه كما-- قاله العلّامة المجلسيّ- رحمه اللّه- و في حديث آخر رواه الكليني أيضا مسندا عن الصادق(عليه السلام) قال:« يبعث عبد المطلب أمة واحدة عليه بهاء الملوك، و سيماء الأنبياء، و ذلك أنّه أول من قال بالبداء» و في الحسن كالصحيح عن رفاعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:« كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة، لا يفرش لاحد غيره، و كان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه»، الى أمثالها الكثير الطيب كلها تدلّ على كمال ايمانه و عقله و حصافة رأيه و ان أردت أن تحيط بذلك خبرا فانظر الى تاريخ اليعقوبي المتوفى في أواخر القرن الثالث ما ذكر من سننه التي سنّها و جاءت بها الإسلام من تحريمه الخمر، و الزنا و وضع الحدّ عليه، و قطع يد السارق، و نفى ذوات الرايات، و نهيه عن قتل الموؤدة، و نكاح المحارم، و اتيان البيوت من ظهورها، و طواف البيت عريانا، و حكمه بوجوب الوفاء بالنذر و تعظيم الأشهر الحرم، و بالمباهلة، و بمائة إبل في الدية ثمّ تأمل كيفية سلوكه مع أبرهة صاحب الفيل في تلك الغائلة المهلكة المهدمة كيف حفظ بحسن تدبيره و سديد رأيه قومه و دماءهم و أموالهم من الدمار و البوار دون أي مئونة و قال: أنا ربّ الإبل و لهذا البيت ربّ يمنعه» مع أن الواقعة موحشة بحيث تضطرب في أمثالها قلوب أكثر السائسين، فإذا كان الامر كذلك فكيف يصحّ أن يقال: انّه نذر أن يذبح سليله و ثمرة مهجته و قرة عينه قربة إلى اللّه سبحانه، و أنّى يتقرّب بفعل منهىّ عنه في جميع الشرائع و القتل من أشنع الأمور و أقبحها، و العقل مستقل بقبحه بل يعده من أعظم الجنايات، مضافا الى كل ذلك أن النذر بذبح الولد قربانا للمعبود من سنن الوثنيين و الصابئين و قد ذكره اللّه تعالى في جملة ما شنّع به على المشركين و قال في كتابه العزيز بعد نقل جمل من بدعهم و مفترياتهم:« كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ»( الانعام: 137) و هذا غير مسألة الوأد المعروف الذي كان بنو تميم من العرب يعملون به، فان المفهوم من ظاهر لفظ الاولاد أعم من الذكور منهم و البنات و الوأد مخصوص بالبنات، و أيضا غير قتلهم أولادهم من املاق أو خشيته، بل هو عنوان آخر يفعلونه على سبيل التقرّب الى الالهة. فان قيل: لعله كان مأمورا من جانب اللّه سبحانه كما كان جدّه إبراهيم(عليه السلام) مأمورا، قلنا: هذا التوجيه مخالف لظاهر الروايات فانّه صرّح في جميعها بأنّه نذر، مضافا الى أنّه لو كان مأمورا فلا محيص له عنه-- و يجب عليه أن يفعله كما أمر، فكيف فداء بالابل، و لم لم يقل في جواب من منعه- كما في الروايات-: انّى مأمور بذلك. و بالجملة في طرق هذه القصة و ما شاكلها مثل خبر« أنا ابن الذّبيحين» جماعة كانوا ضعفاء أو مجهولين أو مهملين أو على غير مذهبنا مثل أحمد بن سعيد الهمدانيّ المعروف بابن عقدة و هو زيدى جارودى، أو أحمد بن الحسن القطان و هو شيخ من أصحاب الحديث عامى و يروى عنه المؤلّف في كتبه بدون أن يردفه بالرضيلة مع أن دأبه أن يتبع مشايخه بها ان كانوا اماميا، و كذا محمّد بن جعفر بن بطة الذي ضعّفه ابن الوليد و قال: كان مخلّطا فيما يسنده، و هكذا عبد اللّه بن داهر الأحمرى و هو ضعيف كما في( صه و جش) و أبو قتادة و وكيع بن الجرّاح و هما من رجال العامّة و رواتهم و لا يحتج بحديثهم إذا كان مخالفا لاصول المذهب و ان كانوا يسندون خبرهم الى أئمة أهل البيت عليهم السلام، و أنّك إذا تتبّعت أسانيد هذه القصة و ما شابهها ما شككت في أنّها من مفتعلات القصّاصين و مخترعاتهم نقلها المحدّثون من العامّة لجرح عبد المطلّب و نسبة الشرك- العياذ باللّه- اليه رغما للامامية حيث انّهم نزهوا آباء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن دنس الشرك، و يؤيّد ذلك أنّ كثيرا من قدماء مفسّريهم كالزمخشريّ و الفخر الرّازى و النيشابورى و أضرابهم و المتأخرين كالمراغى و سيّد قطب و زمرة كبيرة منهم نقلوا هذه القصّة أو أشاروا إليها عند تفسير قوله تعالى« وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ» و جعلوا عبد المطلب مصداقا للآية انتصارا لمذهبهم الباطل في اعتقاد الشرك في آباء النّبى صلّى اللّه عليه و آله و أجداده. قال العلّامة المجلسيّ- رحمه اللّه-: اتّفقت الإماميّة- رضوان اللّه عليهم- على أن والدى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و كل أجداده الى آدم عليه السلام كانوا مسلمين بل كانوا من الصّديقين إمّا أنبياء مرسلين أو أوصياء معصومين، ثمّ نقل عن الفخر الرّازى أنّه قال:« قالت الشيعة ان أحدا من آباء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و أجداده ما كان كافرا» ثم قال: نقلت ذلك عن امامهم الرازيّ ليعلم أن اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوما بحيث اشتهر بين المخالفين». و ان قيل: لا ملازمة بين هذا النذر و بين الشرك، و يمكن أن يقال ان نذر عبد المطلب كان للّه و امّا المشركون فنذروا لآلهتهم، قلت: ظاهر الآية أن النذر بذبح الولد من سنن المشركين دون الموحدين فالناذر اما مشرك أو تابع لسنن الشرك و جلّ ساحة عبد المطلب أن يكون مشركا- العياذ باللّه- أو تابعا لسنن-- المشركين، و الاصرار بتصحيح أمثال هذه القصص مع نكارتها كثيرا ما يكون من الغفلة عمّا جنته يد الافتعال، ثمّ اعلم أنّ المصنّف- رضوان اللّه تعالى عليه- لم يحتجّ بهذا الخبر في حكم من الاحكام انّما أورده في هذا الكتاب طردا للباب و يكون مراده جواز القرعة فقطّ و هو ظاهر من الخبر.
:
· /faqih/3/89/