Misbah Library
من لا يحضره الفقيه 1 ٥٤٦

فيه نار فاحترقت » ١ وما ذكر في الكتاب من الرياح التي يعذب بها من عصاه ، واللّه عزوجل رياح رحمة لواقح ورياح تهيج السحاب فتسوق السحاب ، ورياح تحبس السحاب بين السماء والأرض ، ورياح تعصره فتمطره بإذن اللّه ، ورياح تفرق السحاب ورياح مما عد اللّه عزوجل في الكتاب ، فأما الرياح الأربع فإنها أسماء الملائكة الشمال والجنوب والصبا والدبور ، وعلى كل ريح منهم ملك موكل بها ، فإذا أراد اللّه تبارك وتعالى أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني ٢ فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد اللّه عزوجل في البر والبحر ، وإذا أراد اللّه تبارك وتعالى أن يبعث الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد اللّه تعالى في البر والبحر ، وإذا أراد اللّه تبارك وتعالى أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الجنوب حيث يريد اللّه في البر والبحر ، وإذا أراد اللّه عزوجل أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت الدبور حيث يريد اللّه تعالى في البر والبحر ». ٣

(١)1- الاعصار : ريح تثير الغبار إلى السماء كأنه عمود. ( الصحاح )
(٢)2- في الكافي « الركن الشامي » وكذا في ما يأتي.
(٣)3- قال استاذنا الشعراني - دام ظله العالي - في ذيل شرح الكافي للمولى صالح المازندراني : هذا الحديث من جهة الاسناد ، قريب من جهة الاعتبار ، منبه على طريقتهم عليهم السلام في أمثال هذه المسائل الكونية ، والمعلوم من سؤال السائل « أن الناس يقولون » أن ذهنهم متوجه إلى السبب الطبيعي الموجب لوجود الرياح ومنشأها وعلة اختلافها من البرودة والحرارة وغيرها ، وغاية ما وصل إليه فكرهم أن الشمال لبرودتها من الجنة ، والجنوب لحرارتها من النار ، فصرف الإمام عليه السلام ذهنهم عن التحقيق لهذا الغرض إذ ليس المقصود من بعث الأنبياء والرسل وانزال الكتب كشف الأمور الطبيعية ، ولو كان المقصود ذلك لبين ما يحتاج إليه الناس من أدوية الأمراض كالسل والسرطان وخواص المركبات والمواليد ، ولذكر في القرآن مكررا علة الكسوف والخسوف كما تكرر ذكر الزكاة والصلاة وتوحيد اللّه تعالى ورسالة الرسل ، ولو رد ذكر الحوت في الروايات متواترا كما ورد ذكر الإمامة والولاية والمعاد والجنة ، وكذلك ما يستقر عليه الأرض وما خلق منه الماء ، مع أنا لا نرى من أمثال ذلك شيئا في الكتاب والسنة المتواترة الا بعض أحاديث ضعيفة غير معتبرة أو بوجه يحتمل التحريف والسهو ، والمعهود في كل ما هو مهم في الشرع ويجب على الناس معرفته أن يصر الامام أو النبي عليهما السلام على تثبيته وتسجيله وبيانه بطرق عديدة غير محتملة للتأويل حتى لا يغفل عنه أحد. و بالجملة لما رأى الإمام عليه السلام اعتناء الناس بالجهة الطبيعية صرفهم بان الواجب على الناظر في أمر الرياح و المتفكر فيها أن يعتنى بالجهة الإلهيّة و كيفية الاعتبار بها و الاتعاظ بما يترتب عليها من الخير و الشر، سواء كانت من الجنة أو من الشام أو من افريقية و اليمن، فأول ما يجب: أن يعترف بأن جميع العوامل الطبيعية مسخرة بأمر اللّه تعالى، و على كل شي ء ملك موكل به و أن الجسم الملكى تحت سيطرة المجرد الملكوتى المفارق عن الماديات كما ثبت في محله« أن المادة قائمة بالصورة و الصورة قائمة بالعقل الفارق» و هذا أهم ما يدلّ عليه هذا الحديث الذي يلوح عليه أثر الصدق و صحة النسبة الى المعصوم، ثمّ بعد هذا الاعتراف يجب الاعتبار بما وقع من العذاب على الأمم السالفة بهذه الرياح و ما يترتب من المنافع على جريانها و هذا هو الواجب على المسلم من جهة الدين إذا نظر الى الأمور الطبيعية.

:  · /faqih/1/546/