Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 5 ٨٣٠

يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا و سفرة بينه و بين خلقه، و هم الذين قال الله فيهم: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ ١، فمن كان من أهل الطاعة، تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، و من كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، و لملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة و النقمة، يصدرون عن أمره، و فعلهم فعله، و

كل ما يأتون به منسوب إليه، و إذا كان فعلهم فعل ملك الموت، ففعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء، و يعطي و يمنع، و يثيب و يعاقب على يد من يشاء، و إن فعل أمنائه فعله كما قال: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ٢.

و أما قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ٣، و قوله تعالى: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ٤، فإن ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء، و ليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة، و لو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد و إقرارها بالله، و نجا سائر المقرين بالوحدانية، من إبليس فمن دونه في الكفر، و قد بين الله ذلك بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ ٥، و بقوله: الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ٦.

و للإيمان حالات و منازل يطول شرحها، و من ذلك أن الايمان قد يكون على وجهين: إيمان بالقلب، و إيمان باللسان، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما قهرهم بالسيف و شملهم الخوف، فإنهم آمنوا بألسنتهم و لم تؤمن قلوبهم، فالإيمان بالقلب هو التسليم للرب، و من سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره، كما استكبر إبليس عن السجود لآدم، و استكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام، لم يرد بها غير زخرف الدنيا

و التمكين من النظرة، فلذلك لا تنفع الصلاة و الصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة و طريق الحق، و قد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته و إرسال رسله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، و لم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه، و متعلم على سبيل نجاة، أولئك هم الأقلون عددا.

و قد بين الله ذلك في امم الأنبياء، و جعلهم مثلا لمن تأخر، مثل قوله في قوم نوح:

(١)الحج 22: 75.
(٢)الإنسان 76: 30.
(٣)الأنبياء 21: 94.
(٤)طه 20: 82.
(٥)الأنعام 6: 82.
(٦)المائدة 5: 41.

:  · /burhan/5/830/