Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 5 ٥٨٠

يا أبا جعفر، جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها، و قد سألت عنها

ثلاثة أصناف من الناس، فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر؟

فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «ما ذاك؟». قال: إني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه، فإن بعض من سألته قال: القدر، و قال بعضهم: القلم، و قال بعضهم: الروح؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام): «ما قالوا شيئا، أخبرك أن الله تبارك و تعالى كان و لا شي ء غيره، و كان عزيزا و لا أحد كان قبل عزه، و ذلك قوله تعالى: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١، و كان الخالق قبل المخلوق، و لو كان أول ما خلق الله من خلقه الشي ء من الشي ء إذن لم يكن له انقطاع أبدا، و لم يزل إذن و معه شي ء ليس هو يتقدمه، و لكن كان إذ لا شي ء غيره، و خلق الشي ء الذي جميع الأشياء منه، و هو الماء الذي خلق الأشياء منه، فجعل نسب كل شي ء إلى الماء، و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه، و خلق الريح من الماء ثم سلط الريح على الماء، فشققت الريح متن الماء حتى ثار من متن الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور، فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية، ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء، ثم خلق الله النار من الماء، فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور، فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية، ليس فيها صدع و لا ثقب، و ذلك قوله تعالى: السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها ٢ قال:

و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب، ثم طواها فوضعها فوق الأرض، ثم نسب الخلقتين، فرفع السماء قبل دحو ٣ الأرض، فذلك قوله عز ذكره: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ٤ يقول: بسطها».

و الحديث طويل تقدم بطوله في قوله تعالى: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ ءٍ حَيٍّ من سورة الأنبياء ٥.

(١)الصافات 37: 180.
(٢)النازعات 79: 27- 29.
(٣)(دحو) ليس في «ج» و المصدر.
(٤)النازعات 79: 30.
(٥)تقدّم في الحديث (1) من تفسير الآية (30) من سورة الأنبياء. [.....]

:  · /burhan/5/580/