Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 1 ١٤٤

فيقول الأول لأصحابه: كيف رأيتم سخريتي بهؤلاء، و كفي عاديتهم عني و عنكم؟

فيقولون له: لا نزال بخير ما عشت لنا.

فيقول لهم: فهكذا فلتكن معاملتكم لهم، إلى أن تنتهزوا الفرصة فيهم مثل هذه، فإن اللبيب العاقل من تجرع على الغصة ١ حتى ينال الفرصة.

ثم يعودون إلى أخدانهم المنافقين المتمردين المشاركين لهم في تكذيب رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيما أداه إليهم عن الله عز و جل من ذكر و تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام) و نصبه إماما على كافة المكلفين قالُوا- لهم- إِنَّا مَعَكُمْ فيما واطأتكم عليه أنفسكم، من دفع علي عن هذا الأمر، إن كانت لمحمد كائنة، فلا يغرنكم و لا يهولنكم ما تسمعونه مني من تقريظهم ٢، و تروني أجترئ عليهم من مداراتهم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بهم.

فقال الله عز و جل: يا محمد اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يجازيهم جزاء استهزائهم في الدنيا و الآخرة وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يمهلهم فيتأنى بهم برفقه، و يدعوهم إلى التوبة، و يعدهم إذا تابوا المغفرة و هم يَعْمَهُونَ لا يرعوون ٣ عن قبيح، و لا يتركون أذى لمحمد و علي (صلوات الله عليهما) يمكنهم إيصاله إليهما إلا بلغوه.

قال العالم (عليه السلام): فأما استهزاء الله تعالى بهم في الدنيا فهو أنه- مع إجرائه إياهم على ظاهر أحكام المسلمين، لإظهارهم ما يظهرونه من السمع و الطاعة، و الموافقة- يأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالتعريض لهم حتى لا يخفي على المخلصين من المراد بذلك التعريض، و يأمر

بلعنهم.

و أما استهزاؤه بهم في الآخرة فهو أن الله عز و جل إذا أقرهم في دار اللعنة و الهوان و عذبهم بتلك الألوان العجيبة من العذاب، و أقر هؤلاء المؤمنين في الجنان بحضرة محمد (صلى الله عليه و آله) صفي الملك الديان أطلعهم على هؤلاء المستهزئين الذين كانوا يستهزءون بهم في الدنيا، حتى يروا ما هم فيه من عجائب اللعائن و بدائع النقمات، فتكون لذتهم و سرورهم بشماتتهم بهم، كما لذتهم و سرورهم بنعيمهم في جنات ربهم.

فالمؤمنون يعرفون أولئك الكافرين و المنافقين بأسمائهم و صفاتهم، و هم على أصناف: منهم من هو بين أنياب أفاعيها تمضغه و تفترسه، و منهم من هو تحت سياط زبانيتها ٤ و أعمدتها و مرزباتها ٥، تقع من أيديها عليه ما يشدد في عذابه، و يعظم حزنه و نكاله، و منهم من هو في بحار حميمها يغرق، و يسحب فيها، و منهم من هو في غسلينها ٦ و غساقها ٧، تزجره فيها زبانيتها. و منهم من هو في سائر أصناف عذابها.

(١)الغصّة: الشّجا في الحلق. «مجمع البحرين- غصص- 4: 176».
(٢)التقريظ: مدح الإنسان و هو حيّ، بباطل أو حقّ. «الصحاح- قرظ- 3: 1177».
(٣)ارعوى عنه: كفّ و ارتدع. «المعجم الوسيط- رعا- 1: 355».
(٤)الزبانية عند العرب: الشرط، و سمّي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النّار إليها. «الصحاح- زبن- 5: 2130».
(٥)المرزبات: جمع مرزبة: و هي عصيّة من حديد، و هي أيضا المطرقة الكبيرة التي تكون للحدّاد. «لسان العرب- رزب- 1: 416 و 417».
(٦)الغسلين: غسالة أجواف أهل النّار، و كلّ جرح و دبر. «مجمع البحرين- غسل- 5: 434».
(٧)الغسّاق: ما يغسق من صديد أهل النّار، أي يسيل. «مجمع البحرين- غسق- 5: 223».

:  · /burhan/1/144/