فمطلقا وجوبا لظاهر الأمر و لتعليق نفي الجناح فيما سيأتي بشرط الأذى فتثبت مع عدمه و هو المشهور بين الأصحاب و قال ابن الجنيد يستحب و تردد في المعتبر و النافع و حمله ابن الجنيد على الإرشاد و فيه عدول عن الظاهر بناء على كون الأمر للوجوب من غير دليل.
و هل يختص الوجوب بالمصلين فيه قولان و روی ابن عباس أن المأمور بأخذ السلاح هم المقاتلة و هو خلاف الظاهر بل الظاهر إما التعميم أو التخصيص بالمصلين كما قلنا أولا بناء على أن أخذ السلاح للفرقة الأولى أمر معلوم لا يحتاج إلى البيان.
و علی القول بوجوب أخذ السلاح على المصلين لا تبطل الصلاة بتركه على المشهور لكون النهي متعلقا بأمر خارج عن حقيقة الصلاة و النجاسة الكائنة على السلاح غير مانع من أخذه على المشهور و قيل لا يجوز أخذه حينئذ إلا مع الضرورة و لعل الأول أقرب عملا بإطلاق النص مع كون النجاسة فيه غير نادر و ثبوت العفو عن نجاسة ما لا يتم الصلاة فيه منفردا و انتفاء الدليل على طهارة المحمول و لو تعدت نجاسته إلى الثوب وجب تطهيره إلا مع الضرورة.
فَإِذا سَجَدُوا١ أي الطائفة الأولى المصلية فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ٢
(١)1- 1. المراد بهذه السجدة السجدة الثانية من الركعة الثانية عند تمام الصلاة، و ذلك لانه عزّ و جلّ قال« فَإِذا سَجَدُوا» و أسند فعل السجدة اليهم دون أن يقول:« فاذا سجدت بهم». فمبنی الآية علی أن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله يصلی بفرقة منهم ركعة بركوعها و سجودها: سجدتين و يقعد ذاكرا للّٰه عزّ و جلّ و تقوم الفرقة المصلية لاتمام صلاتهم( لعدم الخوف بهم من العدو موقتا بعد تلك الحيلة) و يصلون ركعة واحدة منفردين، فإذا سجدوا، أي أتموا الصلاة بالسجدة الثانية فكنی عن تمام الصلاة بالسجدة، لانها آخر أجزاء الصلاة بالفرض علی ما عرفت مرارا.
(٢)2- 2. تنص هذه الجملة على أن الطائفة الراصدة انما تقوم خلف المصلين أبدا كانت القبلة في جهة العدو، أو خلاف جهتهم، و يستفاد من ذلك أن أمام المصلی يجب أن يكون فارغا لا يمر بين يديه أحد من المارة و لا يقوم بازائه احد، كما مرّ في ج 83 ص 294. و ما يقال ان هذه الصلاة بالكيفية المعهودة انما تقام إذا كانت القبلة في خلاف جهة العدو، حتى يكون الطائفة الراصدة خلف المصلين تواجه الاعداء، و استأنسوا علی ذلك أو استدلوا عليه بقوله عزّ و جلّ هذا« فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ»، ثمّ حملوا الآية الكريمة على صلاة ذات الرقاع حيث كانت العدو في خلاف جهة القبلة لذلك، فليس بشي ء. و ذلك لان ظاهر الآية الكريمة أنّها نزلت قبل هذه الوقائع تبين لهم وظيفتهم في السفر و عند موارد الخوف و إمكان رفع الخطر موقتا بالتعبية كذلك، و لذلك عمم و قال: « وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ» الآية. فحيثما ابتلی المسلمون بالسفر و مخافة العدو: أن يهجموا عليهم، و كان النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أو من يقوم مقامه في جمع شمل المسلمين فيهم و بامكانه أن يفرق المسلمين فرقتين: فرقة تصلی و فرقة ترصدهم وجب اقامة الصلاة كذلك، و لا يشترط في اقامتها غير هذه الشروط المذكورة. على أنك قد عرفت في صدر الباب السابق عند البحث عن الآية الكريمة ان صلاة السفر في مقابلة العدو و الخوف من فتنتهم انما تقام على هذه الكيفية ليرتفع بهذه التعبية و الرصد خوف فتنتهم بالفعل و موقتا، و هذا انما يكون إذا صادفوا العدو، و قاموا في وجههم لا يدرون مآل الامر أنهم يحاربون أولا، كما كان الامر في صلوات الرسول صلى اللّٰه عليه و آله غزوة ذات الرقاع و عسفان و بطن نخل. و أمّا إذا نشبت الحرب بينهم أو عزم الامر علی ذلك بمواجهة القتال فصار خوف الهجوم منهم بالفعل كانت الصلاة صلاة مطاردة بالتكبير و التسبيح و التهليل كما وقع في بعض أيام غزوة الخندق، امتثالا لقوله تعالى:« فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً» فالقيام في وجه العدو انما يجب في هذه الصلاة لا غيرها. و يؤيد ذلك أن الأئمّة الاطهار عليهم صلوات اللّٰه الرحمن انما تعرضوا لصلاة الخوف بوجه واحد طبقا لحكم الآية الكريمة، و لا يكون ذلك الا لعموم حكم الآية لجميع موارد الخوف و اطلاقها بالنسبة الی موقف الاعداء و كونهم في جهة القبلة أو خلافها. بل و عندي أن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله انما صلى بهذه الكيفية فقط، و سائر ما ورد من طرق الجمهور، و قد ناهض الی ستة عشر وجها، فكلها آراء الصحابة و التابعين توهموها علی الآية الكريمة فاختار كل ما وجدها أنسب بظاهر الآية، و سيأتي تمام الكلام فيها عند تعرض المؤلّف العلامة لبعضها إنشاء اللّٰه تعالى.