Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 80 ١٩٥

أقول: يمكن أن يستدل لذلك بما رواه

الْكُلَيْنِيُّ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: طَلَبَةُ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ وَ صَاحِبُ الْفِقْهِ وَ الْعَقْلِ ذُو كَآبَةٍ وَ حَزَنٍ وَ سَهَرٍ قَدْ تَحَنَّكَ فِي بُرْنُسِهِ وَ قَامَ اللَّيْلَ فِي حِنْدِسِهِ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ١.

و فيه أيضا ما تری.

و لنرجع إلى معنى التحنك فالظاهر من كلام بعض المتأخرين هو أن يدير جزء من العمامة تحت حنكه و يغرزه في الطرف الآخر كما يفعله أهل البحرين في زماننا و يوهمه كلام بعض اللغويين أيضا و الذي نفهمه من الأخبار هو إرسال طرف العمامة من تحت الحنك و إسداله كما مر في تحنيك الميت و كما هو المضبوط عند سادات بني الحسين عليه السلام أخذوه عن أجدادهم خلفا عن سلف و لم يذكر في تعمم الرسول و الأئمة عليهم السلام إلا هذا.

و لنذكر بعض عبارات اللغويين و بعض الأخبار ليتضح لك الأمر في ذلك قال الجوهري التحنك التلحي و هو أن تدير العمامة من تحت الحنك و قال الاقتعاط شد العمامة على الرأس من غير إدارة تحت الحنك و في الحديث أنه نهى عن الاقتعاط و أمر بالتلحي و قال التلحى تطويق العمامة تحت الحنك ثم ذكر الخبر و قال الفيروزآبادي اقتعط تعمم و لم يدر تحت الحنك و قال العمة الطابقية هي الاقتعاط و قال تحنك أدار العمامة تحت حنكه و قال الجزري فيه أنه نهى عن الاقتعاط هو أن يعتم بالعمامة و لا يجعل منها شيئا تحت ذقنه و قال فيه أنه نهى عن الاقتعاط و أمر بالتلحى هو جعل بعض العمامة تحت الحنك و الاقتعاط أن لا يجعل تحت حنكه منها شيئا و قال الزمخشري في الأساس اقتعط العمامة إذا لم يجعلها تحت حنكه ثم ذكر الحديث و قال الخليل في العين يقال اقتعط بالعمامة إذا اعتم بها و لم يدرها تحت الحنك.

و أما الأخبار

فَقَدْ رَوَي الْكُلَيْنِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الرِّضَا عليه السلام: فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ مُسَوِّمِينَ ٢ قَالَ الْعَمَائِمُ اعْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللّٰه عليه و آله فَسَدَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ

(١)1- 1. الكافي ج 1 ص 49.
(٢)2- 2. آل عمران: 125، و لفظ الآية:« وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ- الی قوله تعالی- أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ» الخ. و الذي عندي أن العمامة كان يلبسها الناس تارة عند أسفارهم حفظا من الغبار و الصعيد المرتفع من الجادة ألا يغبر رءوسهم و أشعارهم و يتلثمون بها دفعا للغبار و التراب أن يدخل فمهم و خياشيمهم، و ربما فعلوا ذلك لئلا يعرفهم الاعداء، و هذا ظاهر من شيمتهم. و قد يكونون يتعصبون بعصابة كالعمة لاجل الوجع و غير ذلك كما فعلوا ذلك بعد خروجهم من الحمام. و أمّا عند الحرب، فقد كان علامة يعلم بها الشجعان و الابطال كما قال الشاعر: أنا ابن جلا و طلاع الثنايا***متی أضع العمامة تعرفوني و ربما يعلمون بريش النعام كما هو سيرة أبطال الاعاجم في الحرب و قد فعل ذلك حمزة سيد الشهداء في حرب أحد و أمّا الزبير و كان من الابطال تعمم بعمامة بيضاء، و أبو دجانة الأنصاريّ تعمم بعصابة حمراء، لم يعلم غيرهم الا رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، عممه الاصحاب حين خروجه من المدينة الى أحد علی ما صرّح به الواقدي. و أشار رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله الى عليّ عليه السلام أن يتعمم بعمامة الابطال، فتعذر باعوازه، فأمره أن يعلم رأسه بصوف، ففتل عليه السلام صوفا و عصب به رأسه كالعمامة امتثالا لامره( ص)، و الظاهر أنّها كانت كالعمة الطابقية. و عندي أنه- نفسي لروحه الفداء- كان يتهضم أن يعد نفسه في الابطال خصوصا مع صغر سنه، ما قرب العشرين من عمره و عدم خوضه غمرات الحروب بعد، حتى أنه صلوات اللّٰه الرحمن عليه لم يعلم رأسه بالعمامة و لا غيرها في غزوة الخندق، مع أنّه قد شوهد منه يوم بدر ما لم يشاهد من سائر الابطال، و تثبته و ربط جأشه في حرب أحد و مواساته للنبي صلّى اللّٰه عليه و آله حتّى قيل لا سيف الا ذو الفقار و لا فتى الا علی. لكنه لما- قام صلّى اللّٰه عليه- الی مبارزة عمرو بن عبد ود، أخذ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عمامته السحاب من رأسه الشريف- و كان معلما به- فعمم به عليّا عليه السلام و أرسل طرفا منها الى صدره و طرفا منها الى خلفه و قال: هكذا تيجان الملائكة، يريد بذلك ما يجعل علی الرأس علامة يعرف بها لا اكليل الملك، و لذلك قيل: العمائم تيجان العرب، و الا فالعرب متی كانوا ملوكا حتّى يكون تيجانهم العمائم، مع أنهم كانوا يلبسونها في الاسفار و الغزوات و الغارات و الحمامات. و أمّا في بدر، فلم يكن معشر المسلمين متخذين أهبة القتال، بل كانوا خارجين طلبا للعير يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، فلم يتعلم بالعمامة يومئذ الا زبير بن العوام، و لما نزلت الملائكة نصرة لهم في زي الابطال مع العمائم البيض، كان يفتخر بذلك. و انما نزلت الملائكة كذلك ترعيبا لقريش، كما نزلت يوم حنين مع العمائم الحمر: لما صف المسلمون مع قلة عددهم و اعواز الاسلحة و الفرس بينهم، توهمت قريش أن يكون للمسلمين كمين فبعثوا عمير بن وهب الجمحي فاستجال بفرسه حول العسكر ثمّ صوب الوادي و صعد الاتلال و رجع اليهم فقال: هم ثلاث مائة يزيدون قليلا أو ينقصون، ليس يرى لهم كمين و مدد، فتعجبت قريش من جسارة المسلمين مع هذه العدة و العدة كيف صفوا في مقابلهم و هم زهاء عشرة آلاف و أكثرهم الابطال، و لما اطمأنوا أن لا مدد للمسلمين تجرأ أبو جهل فقال: احملوا عليهم، ما هم الا أكلة رأس، و لو بعثنا اليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد. فلما التقى الجمعان، و حمی الوطيس، نزلت خمسة آلاف من الملائكة مسومين، فتراءت في أعين المشركين أن جما غفيرا من الابطال معلمين بعلامة الشجعان انحدرت من أعلى الوادي كالسيل، يهجمون عليهم فلم تر قريش الا و أن هذا الجم الغفير من الشجعان كان كمينا للمسلمين و مددا لهم علی قريش فصفروا استهم و انتفخ سحرهم و انهزموا مدبرين لا يلوون على شی ء و هكذا تنزلت الملائكة يوم حنين معلمين بالعمائم الحمر و أرعبوا المشركين. هذا شأن نزول الملائكة مسومين بتيجان العمائم علامة الابطال، الا أن الملائكة كانوا قد أرسلوا طرف العمامة ارسالا، و شأن العرب و منهم قريش أنهم كانوا يعلمون بالعمائم يغتبطون اغتباطا، فنهی رسول اللّٰه عن كل عمّة- اذا كانت العمة للغزو- الا بزي الملائكة؛ و نهی عن العمة الطابقية لذلك، و أمّا إذا لم يكن العمة للحرب، بل كان في السفر للحفظ عن الغبار و التراب الصاعد، فالسيرة المعروفة عندهم التلحی بالعمائم تحت الحنك و فوق اللحی شبه اللثام حائدا عن الغبار و مضاره، و لم يرد من نزول الملائكة و لا غيره ما ينافي هذه السيرة، الا ما أيدته الاخبار الكثيرة بأن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أمر بالتلحي و ادارة العمامة تحت الحنك. فاذا تحرر محل النزاع و محط الأحاديث و موارد الاخبار فعليك بمراجعة أخبار الباب.

:  · /bihar/80/195/