العلامة محمد باقر المجلسي
80
١٦٤
أبواب لباس المصلي
باب 1 ستر العورة و عورة الرجال و النساء في الصلاة و ما يلزمهما من الثياب فيها و صفاتها و آدابها
الآيات:
الأعراف: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ- يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إلى قوله تعالى يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ إلى قوله سبحانه قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ١
(١)1- 1. الأعراف: 26- 32، أما الآيتان الاوليان، فكما مرّ الكلام فيهما في ج 79 ص 295- 297، عرفت أن المراد باللباس الذي يواری سوآت الناس هو الازار، لكن لبس هذا الازار بمعنی عدم كشف السوآت ليس مختصا بحال الصلاة، لان كشفهما من الفاحشة المحرمة، و لذلك وجه الخطاب الى كل البشر بقوله« يا بَنِی آدَمَ». و أمّا قوله تعالى:« يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» فالمراد الازار و الرداء كما مرّ توضيحه في ج 79 ص 298 و انما عبر عنهما بالزينة لكونهما موجبا لتزيين البدن و حشمته، و لما قال« عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»، و المسجد موضع الصلاة، كان المراد أخذ الزينة بلبس الازار و الرداء عند الصلاة، و لذلك كره الصلاة من دون رداء بحيث يعری أعالي البدن. و هذه الآية من المتشابهات علی اصطلاح القرآن المجيد حيث انها تشبه الآيات التي هي أم الكتاب: توهم كونها مستقلة برأسها و ليس كذلك. بيان: هذا انجازا لما وعدنا في ج 82 ص 322 أنّه قال اللّٰه عزّ و جلّ:« هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ- وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» آل عمران: 7. و المعنى أن آيات القرآن علی قسمين: قسم هي محكمات و هن مع ذلك أم الكتاب و أصله و مرجعه، و قسم آخر هي محكمات تشابه أم الكتاب. فكل الآيات محكمة لقوله تعالى« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» هود: 1، مثلا قوله تعالی« أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ» الآية من القسم الأوّل فان الصلاة فرض مستقل في حدّ نفسها، و الآية أم الكتاب و أصل يرجع إليه فروع: كقوله تعالی« وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» و معناه في السنة:« لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد» و قوله تعالى:« فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» و معناه في السنة« لا صلاة الا بفاتحة الكتاب»، و امثال ذلك ممّا سنشرحه في محله. فظاهر تلك الاوامر كلها يشبه أم الكتاب و كونها مستقلة يجب الإتيان بها في نفسها، لكن بعضها أم الكتاب مستقل في حدّ نفسها كالصلاة و الصوم و الحجّ، و بعضها متشابه به غير مستقل أدخلها النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في الفرائض المستقلة، الحاق الفرع بالاصل و الولد بأمه. فأما الذين في قلوبهم زيغ و اعوجاج عن الفطرة و ميل الى الاستبداد و هوی. الى الرئاسة، يتبعون بأهوائهم ما تشابه أم الكتاب، مع أن المتشابهات لا يصلح اتباعها الا بعد تأويلها و هو ارجاعها الی أمها، و لا يعلم تأويل ذلك الا اللّٰه عزّ و جلّ و هم بمعزل عن الاتصال بالوحي، و مع جهلهم يدعون علم ذلك و معرفتهم بالام و المتشابه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تاويله كما زعموا أن قوله تعالى« فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» و قوله« وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا» مستقلة من أمّهات الكتاب، و يفتون بوجوب الاستعاذة و الانصات و الاستماع عند قراءة القرآن مطلقا، و ليس كذلك كما أجمع عليه أهل الفقه بأن شيئا من ذلك ليس بواجب الا في الصلاة. و أمّا الراسخون في العلم و الايمان فهم يعترفون بأن الامهات و المتشابهات كلها نزلت من عند اللّٰه، فلا بدّ و أن يوحی علمه الى رسوله ليخرج الناس من الظلمات الى النور: يقولون آمنا به كل من عند ربّنا و لسنا نتبع الكتاب الا بإشارة الرسول و عترته، و ما يذكر سر ذلك الا اولو الالباب الذين أخذوا بالكتاب و العترة و هجروا مقالة الزائغين الذين قالوا حسبنا كتاب اللّٰه.
:
· /bihar/80/164/