أيضا و إن لم يبعد تجويز التيمم و الصلاة لإدراك فضل الجماعة لا سيما الجماعة المشتملة على تلك الكثرة العظيمة الواقعة في مثل هذا اليوم الشريف لكن لم أر قائلا به و هذا الإشكال عن خبر النوادر مندفع و الأحوط الفعل و الإعادة في الجمعة.
«28»- النَّوَادِرُ، بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْهُ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْجِصِّ وَ النُّورَةِ وَ لَا يَجُوزُ بِالرَّمَادِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْأَرْضِ فَقِيلَ لَهُ أَ يَتَيَمَّمُ بِالصَّفَا الْبَالِيَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَ نَعَمْ ١.
توضيح: أما عدم جواز التيمم بالرماد فلا خلاف فيه إذا كان مأخوذا من الشجر و النبات و هو الظاهر من الرواية للتعليل بأنه لم يخرج من الأرض أي لم يحصل منها و يؤيده أنه روى الشيخ ٢
مثل هذه الرواية عن السكوني عنه عليه السلام و زاد في آخره إنما يخرج من الشجرة.
و أما النورة و الجص قبل الإحراق فيجوز التيمم بهما من يجوز التيمم بالحجر و منع منه ابن إدريس لكونهما معدنا و هو ضعيف و شرط الشيخ في النهاية في جواز التيمم بهما فقد التراب و أما النورة و الجص بعد الإحراق فالمشهور المنع من التيمم بهما لعدم صدق اسم الأرض عليهما و المنقول عن المرتضى و سلار الجواز و هو الظاهر من الرواية بل الظاهر منها جواز التيمم بكل ما يحصل من الأرض كالخزف و اختلفوا فيه و لعل الجواز أقوى و الترك اختيارا أولى و كذا الرماد الحاصل من التراب و إن كان الحكم فيه أخفى و الأكثر فيه على عدم الجواز مع الخروج عن اسم الأرض ٣.
(١)1- 1. نوادر الراونديّ ص 50.
(٢)2- 2. التهذيب ج 1 ص 53.
(٣)3- 3. قد عرفت أن الآية الشريفة أمر بتيمم الصعيد، و أن المراد بالصعيد ليس هو الا الغبار المرتفع من الأرض، و انما أمروا عليهم السلام بضرب الكفين على الأرض ليتحقّق مفهوم التيمم، و هو طلب الصعيد فانه لا يحصل على الكفين الا بضربهما علی الأرض ليثور الغبار و يلصق بهما، و لو صح التيمم بالخزف المطبوخ أو الصفاة قبل أن تبلی أو. الصخرة الملساء، لما كان لضرب اليد عليها وجه، الا أن يكون عليها غبار تعلو بضرب اليد عليها كما في الصفا البالية و هو الطين المتحجر من صفوة الأرض ينجمد بعد انحسار الماء عن وجهها. و لو كانت الصفاة بمعنی الصخرة كما توهم لما وصفت في الحديث بالبالية، فان الصخرة لا تبلى، و لما وصفها الفيروزآبادي بقوله:« الصفاة الحجر الصلد الضخم لا ينبت» فان الصلد هو الأرض المتحجرة التي لا تنبت، و لذلك قالوا رأس صلد أي لا ينبت، و جبين صلد أي صلب، و فرس صلد اي لا يعرق. و منه قولهم« فلان لا تندى صفاته» أي بخيل لا يسمح بشي ء، و المراد بالصفاة هذه الراووق المتخذ من الطين الحرّ الصلب كالخزف و لذلك و صفت بعدم النداوة و الرش، و لو كانت بمعنى الصخرة لما كان ينتظر منه الرش و الندی. و أمّا الجص و النورة و الرماد فكلها يمكن أن يكون صعيدا ثائرا هائجا، و هو ظاهر، الا أن قوله تعالی:« صَعِيداً طَيِّباً» يخص التيمم بالتراب الخالص الذي يخرج نباته باذن اللّٰه دون النورة و الجص و السبخة و الرمل و الرماد لأنّها لا تنبت، و قد وصف الرماد في قوله تعالی« فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً» و« إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً» بكونه زلقا جرزا خرج عن كونه طيبا نابتا. و علی ذلك فتوى الاصحاب و روايات الباب، أما الرماد فظاهر، و أمّا النورة و الجص و السبخة و الرمل و أمثالها فهي معادن فلا يجوز التيمم بها إجماعا، و ما ورود من رواية السكوني و هي أصل هذا الخبر المروی في النوادر فلا يعبأ بها لضعفها و معارضتها الإجماع. و أمّا استناد بعض الفقهاء بقوله صلى اللّٰه عليه و آله :« جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» و أن اسم الأرض يقع على الحجر و المدر و التراب كلها ففيه أن الحجر ان كان بمعنى الأرض الصلب الصلد، فلا بأس به؛ من حيث اطلاق اسم الأرض عليه، الا أنّه يقيد اطلاقها بقرينة لفظ الصعيد في القرآن العزيز، و لذلك ورد التصريح بالتراب في بعض الأحاديث و لفظه: جعلت لي. الأرض مسجدا و ترابها طهورا». و أمّا إذا كان بمعنى الصخرة و ما هو من جنسها كالحصا و الرمل، فليس بصحيح، فان الأرض في أصل اللغة هو ما نسميه بالفارسية خاك- زمين، فلا يطلق علی الجبل و ما أزيل منه كالصخرة و الجندل و الحصا و الرمل، كما أنّها لا تطلق على المياه و قد استوعب ثلاثة أرباع الأرض فقولهم: الأرض ما قابل السماء ليس الا علی التسامح العرفي، و الا فثلاثة أرباع السماء لا يقابلها الا الماء. على أن القرآن العزيز استعمل كلمة الأرض في أكثر من 460 موضعا و كلها تنادی بأن الأرض يقابل الحجر، فقد و صفت الأرض في بعضها بالاحياء و الاماتة و الاثارة و الانبات و التمديد و الرحب و السعة و الاهتزاز و الربا و التفجير و نقص أطرافها و خسفها بالناس، و كونها مهادا و مهدا و سطحا و فراشا و بساطا و كفاتا و ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور، و لا يليق شی ء منها بالحجر. و اما في بعضها الآخر، فقد جعلت الأرض في مقابل الجبل و الصخرة صريحا كما في قوله تعالى:« وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ» الرعد: 31« تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا» مريم: 90« وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» الحاقة: 14« يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا» المزّمّل: 14« وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً» الرعد: 3 و مثله في الحجر: 19، ق: 7، النحل 15، الأنبياء: 31، لقمان: 10. و هكذا قوله تعالی:« إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا» أسری: 37« يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَی الْأَرْضَ بارِزَةً» الكهف: 47« أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً» النمل: 61« يا بُنَیَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ» لقمان: 16« إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها» الأحزاب: 72. ففي كلها قابلت الأرض الجبال كما قابلت المياه، و عد كل منها شيئا على حدته.