الأصحاب عليه الإجماع إلا أنه يلوح من كلام ابن أبي عقيل نوع مخالفة فيه حيث حكى عنه في المختلف أنه قال إذا أصاب ثوبه دم فلم يره حتى صلى فيه ثم رآه بعد الصلاة و كان الدم على قدر الدينار غسل ثوبه و لم يعد الصلاة و إن كان أكثر من ذلك أعاد الصلاة و لو رآه قبل صلاته أو علم أن في ثوبه دما و لم يغسله حتى صلى غسل ثوبه قليلا كان الدم أو كثيرا و قد روي أنه لا إعادة عليه إلا أن يكون أكثر من مقدار الدينار.
و كذا نقلوا الإجماع على عدم العفو عما زاد على الدرهم و اختلفوا فيما كان بقدر الدرهم فذهب الأكثر إلى وجوب إزالته و نقل عن المرتضى و سلار القول بالعفو عنه و الإزالة أحوط مع أن إجمال معنى الدرهم و عدم انضباطه مما ينفي فائدة هذا الخلاف إذ لم يثبت حقيقة شرعية فيه و كلام الأصحاب مختلف في تفسيره و تحديده فالمشهور بينهم أن الدرهم الوافي المضروب من درهم و ثلث و بعضهم وصفه بالبغلي.
و قال المحقق هو نسبة إلى قرية بالجامعين و ضبطه جماعة بفتح الغين و تشديد اللام و قال ابن إدريس شاهدت درهما من تلك الدراهم تقرب سعته من سعة أخمص الراحة و هو ما انخفض منها و قال في الذكرى هو بإسكان الغين منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية وزنه ثمانية دوانيق و عن ابن الجنيد سعته كعقد الإبهام الأعلى.
ثم إن المشهور بين الأصحاب عدم الفرق في العفو بين الثوب و البدن و ربما يستشكل في البدن لورود أكثر الروايات في الثوب و قوله و الوافي إلى قوله علمت به أم لم تعلم ذكره الصدوق في الفقيه و فيه و إن كان الدم دون حمصة و هو أظهر١.
(١)1- 1. أقول: الأصل في ذلك قوله تعالى« قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» الانعام: 145 و قد نزل بمكّة المكرمة، و ما نزل بعدها في المدينة من قوله تعالى« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ. الْخِنْزِيرِ» و نحوها يشير بالالف و اللام الی ما ذكر قبلا في سورة الأنعام، فالدم إذا كان مسفوحا كان محرما و إذا لم يكن مسفوحا لم يكن محرما. و التحريم في اللغة هو المنع المطلق الشامل من جميع الجهات حتّى مسه و اصابته كالحمى؛ فيستفاد من هذا العموم وجوب الاجتناب من الدم المسفوح إذا أصاب الثوب و الجسد؛ و عدم الاجتناب منه إذا لم يكن مسفوحا. و المسفوح هو المسفوك باندفاق؛ فدم الشاة عند ذبحها مسفوح باندفاق و هو نجس محرم غير معفو و لو قدر إبرة و ما بقي في جوفها حلال طاهر و لو كان أكثر من حمصة و دم الرعاف لا يكون إلا مندفقا؛ فانه بانفجار العرق بامتلائه من الدم؛ و أقله قطرة مسفوحة يتلطخ به باطن الانف و يخرج منه قدر الابر و نحوه؛ فهذا الدم قليله و كثيره سواء كدم الحيض سواء، و أمّا إذا لم يكن من انفجار العرق، بل كان جرحا أو قرحا في باطن الانف، فرش منه الدم فهو طاهر شرعا، و من تطهر منه تطهر لاجل استقذاره. و هكذا الدم المسفوح من سائر العروق إذا اندفق و أقله قطرة مسفوحة، ما دام رطبا تكون قدر حمصة، و ان وقعت علی ثوب أو غيره صارت كالدرهم سعة. فالاعتبار كما رواه الشلمغاني- و قد اجيز لنا العمل بما رواه- تحت الرقم 5 بالسفح و عدمه، فإذا كان الدم مسفوحا و أقله لا يكون الا قطرة فهو نجس سواء كان ما تلطخ به الجسد أو الثوب أقل من درهم أو أكثر، أصاب الرطب منه قدر حمصة أو أكثر، و ما لم يكن مسفوحا بل كان رشا كان طاهرا سواء تلطخ به الثوب و الجسد أقل من درهم أو أكثر أصاب الرطب منه دون الحمصة أو أكثر؛ فاعتبار الدرهم و الحمصة في الروايات لاجل تشخيص الدم الطاهر من غيره و الفرق بين الرش و السفح فافهم ذلك.