Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 76 ٢٥٦

معناه ليس منا من لم يستغن به و لا يذهب به إلی الصوت

وَ قَدْ رُوِيَ: أَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَهُوَ غَنِيٌّ لَا فَقْرَ بَعْدَهُ.

وَ رُوِیَ: أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً أُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيراً وَ صَغَّرَ كَبِيراً.

و لا ينبغي لحامل القرآن أن يرى أن أحدا من أهل الأرض أغنى منه و لو ملك الدنيا برحبها و لو كان كما يقول إنه الترجيع بالقراءة و حسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك ذلك أن يكون من لم يرجع صوته بالقراءة فليس من النبي عليه السلام حين قال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن ١.

(١)1- 1. معاني الأخبار ص 279. و من المناسب هنا أن نبحث عن أنّه كيف ورد عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله الرخصة في التغني و الغناء و ضرب الدف و الطبل و سماع الحداء. و أنكر أئمتنا عليهم الصلاة و السلام من زمان مولانا أبي جعفر محمّد الباقر إلى آخرهم شديدا عن سماع الغناء و الملاهي و ضرب الدف و العرطبة و أمثال ذلك فأقول: السر في ذلك تطور الغناء و استعمال آلات اللّٰهو من الدف و الطبل و المزمار من البساطة و السذاجة الی صناعة الغناء و الموسيقي، و تبديل الفطرة في الغناء الطبيعي و أغراضها المعقولة الی البطالة و اللّٰهو و التعشق التي آلت أمرها الى نبذ الكتاب وراء ظهورهم و نسيان ما ذكروا به من آيات اللّٰه و أحكامه. قال العلامة ابن خلدون في مقدّمة تاريخه في الفصل الذي عقده للبحث عن صناعة الغناء: ان الأصوات لها كيفيات من الهمس و الجهر و الرخاوة و الشدة و القلقلة و الضغط و غير ذلك، و التناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن، فأولا ألا يخرج من الصوت الى ضده دفعة بل بتدريج ثمّ يرجع كذلك و هكذا الى المثل بل لا بدّ من توسط المغاير بين الصوتين .... فاذا كانت الأصوات علی تناسب في الكيفيات كما ذكره أهل تلك الصناعة كانت ملائمة ملذوذة. و من هذا التناسب ما يكون بسيطا، و يكون الكثير من الناس مطبوعين عليه لا يحتاجون فيه الى تعليم و لا صناعة، كما نجد المطبوعين علی الموازين الشعرية و تسمی هذه القابلية المضمار، و كثير من القراء بهذه المثابة: يقرءون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم كانها المزامير، فيطربون بحسن مساقهم و تناسب نغماتهم. و من هذا التناسب ما يحدث بالتركيب، و ليس كل الناس يستوي في معرفته، و لا كل الطباع توافق صاحبها في العمل به إذا علم، و هذا هو التلحين الذي يتكفل به علم الموسيقي و هي تلحين الاشعار الموزونة بتقطيع الأصوات علی نسب منتظمة معروفة يوقع على كل صوت منها توقيعا عند قطعه فتكون نغمة، ثمّ تؤلف تلك النغم بعضها الى بعض علی نسب متعارفة فيلذ سماعها لاجل ذلك التناسب و ما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات. و قد يساوق ذلك التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخری من الجمادات اما بالقرع أو بالنفخ في الآلات تتخذ لذلك فيزيدها لذة السماع كالشبابة و المزمار الزلامی- أو الزنامی- و البوق و البربط و الرباب و القانون و غير ذلك. و لا يستدعي هذه الصناعة الامن فرغ عن جميع حاجاته الضرورية و المهمة و لا يطلبها الا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات، و قد كان في سلطان العجم قبل الملّة منها بحر زاخر في أمصارهم و مدنهم، و كان ملوكهم يتخذون ذلك و يولعون به. و أمّا العرب: فكان لهم اولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية علی تناسب بينها في عدة حروفها المتحركة و الساكنة، و يسمونها البيت، فلهجوا به، فامتاز من بين كلامهم بحظ من الشرف ليس لغيره لاجل اختصاصه بهذا التناسب، و هذا التناسب قطرة من بحر من تناسب الأصوات، الا انهم لم يشعروا بما سواه لانهم حينئذ لم ينتحلوا علما و لا عرفوا صناعة، بل كانوا مطبوعين عليه، و كانت البداوة أغلب نحلهم. ثمّ تغنی الحداة منهم في حداء ابلهم، و الفتيان في فضاء خلواتهم، فرجعوا الأصوات و ترنموا، و كانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء و إذا كان بالتهليل أو نوع القراءة تغبيرا، لانها تذكر بالغابر،( و هو الماضي من أحوال الأمم الماضين و الباقي من أحوال الآخرة) و ربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة، و كانوا يسمونه السناد. و كان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الذي يرقص عليه، و يمشی بالدف و المزمار فيطرب و يستخف الحلوم، و لم يزل هذا شأن العرب في بداوتهم و جاهليتهم و هكذا في صدر الإسلام حيث كانوا مع غضارة الدين و شدته في ترك أحوال الفراغ و ما ليس بنافع في دين و لا معاش، حتى إذا استولوا على ممالك الدنيا و حازوا سلطان العجم و غلبوهم عليه، و جاءهم الترف، و غلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم، هجروا ذلك و صاروا الى نضارة العيش و رقة الحاشية، و افترق المغنون من الفرس و الروم فوقعوا الی الحجاز و صاروا موالي للعرب، و غنوا جميعا بالعيدان و الطنابير و المعازف و المزامير بلسانهم، و سمع العرب تلحينهم ذلك، فلحنوا عليها أشعارهم، و ما زالت صناعة الغناء تتدرج الی أن كملت أيّام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي و إبراهيم الموصلي و ابنه إسحاق و ابنه حماد و كان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث به و بمجالسه لهذا العهد، فأمعنوا في اللّٰهو و اللعب، و اتخذت آلات الرقص من الكرّج و غيرها للولائم و الاعراس و أيّام الأعياد. و مجالس الفراغ و اللّٰهو. انتهی بتلخيص و تقديم و تأخير. و قال أبو الفرج في ترجمة سائب خاثر: و قال ابن خرداذبه: كان عبد اللّٰه بن عامر اشتری اماء صناجات و أتى بهن المدينة فكان لهن يوم في الجمعة يلعبن فيه، و سمع الناس منهن فأخذ عنهن، ثمّ قدم رجل فارسي يسمی بنشيط، فغني فأعجب عبد اللّٰه بن جعفر به، فقال له سائب خاثر:- و كان انقطع إليه و عرف به- أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسيّ بالعربية، ثمّ غدا على عبد اللّٰه بن جعفر، و قد صنع: لمن الديار رسومها قفر***لعبت بها الأرواح و القطر و قال ابن الكلبي: هو أول صوت غنی به في الإسلام من الغناء العربي المتقن الصنعة. أقول: فتراهم في صدر الإسلام و النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بين أظهرهم انما يتغنون بالغناء الساذج الفطري الذي طبعوا عليه بفطرة من اللّٰه و عرفوه بالهامه عزّ و جلّ فتارة يضربون معه بالدف الساذج في زفافهم و أعراسهم و يغنون بالترنم كما علمهم النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله: أتيناكم أتيناكم***فحيونا نحييكم فلو لا الذهبة الحمراء***ما حلت فتاتنا بواديكم أو يضربن جوار من بنی النجّار بالدفوف و يقلن: نحن جوار من بني النجار***يا حبذا محمّد من جار و هذا حين قدم النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله المدينة و نزلت علی أبی أيوب، فخرج رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله اليهم من دون نكير فقال: أ تحبوننی؟ فقالوا: بلى و اللّٰه يا رسول اللّٰه، قال: أنا و اللّٰه أحبكم ثلاث مرّات. و تارة يتغنون و يترنمون بالرجز الخفيف و يحدون ابلهم علی السير السريع، و قد كان له صلّى اللّٰه عليه و آله في حجة الوداع حاديان: البراء بن مالك يحدو بالرجال، و انجشة الأسود الغلام الحبشي يحدو بالنساء، و في ذلك قال له صلّى اللّٰه عليه و آله« رويدا. يا أنجشة رفقا بالقوارير» يعنی النساء. و قد عرفت في تفسير قوله تعالی:« وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً» أنهم كانوا يزفون عرائسهم بالنهار و يضربون بالدف و يتغنون و قد يمرون بها من باب مسجد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله فلا ينكر عليهم رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و تارة يضربون بالطبل لإيذان الناس بمجی ء التجارة و الميرة فيسمع ذلك رسول اللّٰه و لا ينكر عليهم، لان في ذلك غرضا عقلائيا، ليس ذلك للهو و اللعب و الترقص. و أمّا القرآن المجيد فانما أنكر في هذه الآية علی المصلين الذين ينصرفون الى استماعه و يتركون رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قائما يخطب، و لم يذكر المغنين للعرس و الضاربين بالطبل للتجارة لا بمدح و لا قدح، و انما قال عزّ و جلّ« قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» فهذا حال الغناء و الضرب بالدف و الطبل، و مثلها المزمار الذي يتخذه الرعاة لجمع مواشيهم و أغنامهم، ليس بها بأس، و قد فعلوا ذلك بمرأى و مسمع من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله. و أمّا بعد ذلك فكما عرفت من المؤرخ الكبير ابن خلدون و أشار إليه أبو الفرج صاحب الغناء و الأغاني، قد خرج الغناء و الضرب بالدف و الطبول الی البطالة و اللّٰهو و الترقص و التعشق، و صار مقصودا لذاته يستلذون به بعد ما كان حين حياة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و بعده بيسير مقصودا لغيره، فلذلك أفتی أبو جعفر الباقر و ابنه جعفر الصادق و هكذا سائر الأئمّة عليهم السلام واحدا بعد واحد في عصرهم بعدم جواز التغني و هكذا ضرب المعازف و غيرها، و أنكروا علی المسلمين شديدا حين شاع الغناء الصناعی في أندية المسلمين علی أيدي خلفاء بني العباس، و جعلوها من الباطل مقابل الحق الذي ليس وراءه الا الضلال، و كل ضلالة سبيلها الى النار.

:  · /bihar/76/256/