Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 76 ٢٠٥

باب 96 السحر و الكهانة

الآيات:

البقرة: وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ١ الآيات

(١)1- 1. البقرة: 102- و بعده:- وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» أقول: ضمير الجمع في قوله تعالى« وَ اتَّبَعُوا» راجع الی فريق من بنی إسرائيل عرفهم اللّٰه في سابق الآيات بأنهم تفانوا في حبّ الدنيا و زخارفها الفانية و حرصوا على الحياة فنبذوا كتاب اللّٰه وراء ظهورهم و كذبوا أنبياء اللّٰه و قتلوهم أحيانا، و نقضوا عهد اللّٰه و ميثاقه. ثمّ بعد ذلك اتبعوا شياطين الانس- و هم السحرة- في الافتراء على ملك سليمان و حشمته بأنها كانت بالسحر و أن الكتاب الذي أعطاه اللّٰه عزّ و جلّ و أنزله من السماء عليه تشييدا لملكه الموهوب له- الذي لا ينبغي لاحد من بعده- و تأييدا و تثبيتا لاركان عزته التي لا ترام، انما هي هذه الصحائف التي ورثناها بعده؛ فلذلك نعمل العجائب كما كان يعمل، الا أنّه كان يعرف جميع أسرار السحر، و نحن لا نعلم و لا نعرف منها الا هذا النذر اليسير. فبسبب اتباعهم- أعنی السحرة الشياطين- في هذا الافتراء رخصوا لانفسهم أن يتعاطوه، و قاموا في الطلب، و خاضوا في السحر و اشتروا صحائفه و تعلموه و عملوا به، مع علمهم بأن ذلك حرام محرم في مذهبهم، و أن متعاطي ذلك و مشتريه ما له في الآخرة من خلاق. و الظاهر عندي- بعد تتبع ما ورد من لفظ التلاوة و تصريفها في القرآن المجيد- أن التلاوة هي القراءة بالترتيل و الطمأنينة مع طنطنة خاصّة تنشأ من تعظيم نفس المتكلم و خشوعه بالنسبة الی عظمة ما يتلوه، كأن خطيبا يخطب في مهم اجتماعي و يلقی كلمته علی السامعين ليعوه و يحفظوه، فتارة يخفض صوته و تارة يعلو بها حسبما اقتضی المقام، ليقع المعنی في قلب السامع موقعه، و يأخذ بسمعه مآخذه، و ربما كرر جملة من كلامه مع ترتيل و تتابع بين كلماته بحيث يسع المخاطب أن يعرف مغزی الكلام. و هذا النحو من القراءة، و هي التلاوة، خاص عند الناس بإلقاء الفرامين المولوية و المواعظ الحكمية، و الخطابات التي يلقونها في أندية العلماء، تحقيقا لامر اجتماعي أو أدبي أو غير ذلك ممّا يراد بها التأثير في السامعين و الاخذ بأسماعهم و أبصارهم و قلوبهم. و من أجل ذلك نفسه كثر استعمال التلاوة في قراءة القرآن و سائر الكتب المنزلة من عند اللّٰه عزّ و جلّ، و لذلك أمر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في مواضع من القرآن العزيز أن يتلوه علي الناس من دون أن يأمره بالقراءة عليهم، حتى في آية واحدة اللّٰهمّ الا في قوله تعالی« لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ» و فيه مفهوم التلاوة. و المراد بالشياطين شياطين الانس، سموا شيطانا لكفرهم باللّٰه و آياته و افترائهم على ملك سليمان بأنّه كان بالسحر، ثمّ ادعاؤهم افتراء على اللّٰه أن السحر نازل من السماء الى سليمان، فهو جائز تعليمه و تعلمه، ثمّ قراءتهم صحف السحر و الاباطيل بصورة التلاوة كما يتلی كتب اللّٰه المنزلة تمويها علی العوام، مع ما كانوا يؤذون الناس بسحرهم و يفرقون به بين المرء و زوجه. و في قوله تعالی:« وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» نزل السحر منزلة الكفر، و بين وجه كفر الشياطين بأنهم« يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» فقوله هذا بمنزلة أن يقال:« و ما سحر سليمان مدی ملكه و حشمته و لكن الشياطين سحروا» و قيل في قوله تعالی:« وَ ما أُنْزِلَ عَلَی الْمَلَكَيْنِ» الخ أن« ما» نافية، و الظاهر أنها موصولة، يشير الی أن اللّٰه عزّ و جلّ أنزل ملكين ببابل- و كان عاصمة السحرة يومئذ فتصورا و تمثلا بصورة رجلين و تسميا باسم هاروت و ماروت، و أظهرا علم السحر و أسراره لعامة الناس حتّى يعرفوا أن شياطين السحرة كاذبون في دعواهم بأن السحر علم سماوي نزل علی سليمان لتشييد ملكه و سلطانه، و يتبين لهم أن السحر ليس الا مخرقة و تمويه أباطيل لا حقيقة لها بصورة خارقة للعادة. و هذان الملكان- هاروت و ماروت- حيثما علما أحدا من الناس السحر و أظهروه على حقيقته كانا يقولان« إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ» أي بوتقة خلاص و امتحان انما نعلمك السحر ليخلص الحق من مزاج الباطل، و يعرف السحر من معجزة الحق، و يظهر الساحر الكاذب الكافر من النبيّ الصادق المؤمن للحق،« فَلا تَكْفُرْ» أنت بعد تعلم أسرار السحر أي لا تسحر و لا تعمل السحر. فكان الناس يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء و زوجه لما كانت الشياطين تفعل ذلك كثيرا بأهالی بابل، و يأخذون على ذلك الاجر تارة من هذا للتفريق بين زوجين معينين و تارة منهما أو من أحدهما لحل ذلك و التأليف بينهما، فبعد ما ظهرت العامّة بأسرار السحر- خصوصا ما كان شايعا فيهم من التفريق بين المرء و زوجه- سقط الساحرون من شوكتهم و قدرتهم، و بلغ أمر اللّٰه و كان امر اللّٰه قدرا مقدورا. و قوله« وَ ما أُنْزِلَ» عطف على قوله« ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ» و المعنى أن بنی إسرائيل لخبثهم و حرصهم على المال و الجاه اغتنموا الفرصة و اتبعوا ما أنزل علی الملكين من السحر كما اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان فضموا سحر الشياطين مع سحر الملكين و سحروا علی الناس، و أخذوا بذلك أموالهم و فعلوا و فعلوا و ليس ما فعلوا الا الكفر بآيات اللّٰه و كتبه، و لقد علموا من دينهم و مذهبهم أنّه لمن اشترى و طلب السحر، ما له في الآخرة من خلاق، و لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. فيعرف من جملة ذلك أن عرفان السحر و تعلمه و تعليمه لعامة الناس احقاقا للحق و ابطالا لما يدعونه السحرة من الاعجاز و القدرة السماوي و السيطرة الإلهي، لا بأس به، بل هو مما أنزل اللّٰه لتحقيقه ملكين، فمن فعل ذلك، فقد شرك الملكين في نيتهما و عملهما و له مثوبة ذلك، و أمّا تعاطی السحر لغير ذلك من الاغراض فهو الكفر باللّٰه العظيم، و الشراء و الاشتراء هو ما نسميه الآن في عرفنا« بالعرض و التقاضي» فالشراء أن يعرض صاحب المتاع متاعه للبيع، و الاشتراء أن يطلب المتاع و يتقاضاه من له الحاجة الى ذلك المتاع، فإذا باعه ذاك الشاري و ابتاعه هذا المشتري فقدتم. و لذلك يقول:« لَمَنِ اشْتَراهُ» أي من طلب السحر متاعا ليصرفه في حاجة نفسه فيفرق مثلا بين عدوه و زوجته، أو ليصرفه لحاجة غيره فيبيعه منه بثمن« ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» أي من نصيب. و لذلك نفسه يقول:« وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ» أي أنهم بفعلهم السحر قد عرضوا أنفسهم للبيع بثمن قليل و قد كانت غالبا ثمنها الجنة، لكنهم لا يعلمون« وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا» أي لم يكفروا أي لم يسحروا بل لم يشتروا السحر« وَ اتَّقَوْا» من اللّٰه و عذابه« لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» تنالهم في حلهم السحر و تكذيب السحرة اقتداء بما فعل الملكان النازلان« خَيْرٌ» لهم« لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ». و قوله:« وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» اشارة الى أن فعل السحر انما هو تأثير سبب خفی علی عامة الناس ظاهر سببيته علی الخاصّة، فمن توصل بالسبب الخفي علی مسببه، ليس قد ظهر علی سر الخلقة بذاته و لا هو ممن أظهره اللّٰه علی ذلك كما أظهر على ذلك سليمان، بل اللّٰه عزّ و جلّ كما أذن اذنا تكوينيا في تأثير الأسباب الظاهرة أذن في تأثير الأسباب الخفية، و من توصل بأحد من الأسباب- الظاهرة أو الخفية- فقد أخذ باذن اللّٰه عزّ و جلّ. و فعل السحر- أعنی التوصل بالأسباب الخفية علی مسبباتها- و ان كانت مبغوضا للّٰه عزّ و جلّ تشريعا إذا كانت بداعي السيطرة و الجاه و أخذ الأموال و الافساد في الأرض لكنه مأذون بالاذن التكويني ابتلاء و اختيارا للناس، هو الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا. و قوله« وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ» عطف على قوله« فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ» و المعنى أن ما كانوا يتعلمونه من السحر كانت علی قسمين قسم منها ما كان يضر بالغير فيفرقون به بين المرء و زوجه، و قسم منها ما يضر بأنفسهم و لا ينفعهم.

:  · /bihar/76/205/