Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 75 ١٥٧

فَصَدَعَتِ الدُّنْيَا عَمَّا الْتَذَّ بِنَوَاظِرِ فِكَرِهَا مِنْ سُوءِ الْغَفْلَةِ وَ مِنْ عَجَبٍ كَيْفَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا مَنْ يَعْرِفُهَا وَ قَدِ اسْتَذْهَلَتْ عَقْلَهُ بِسُكُونِهَا وَ تَزَيُّنِ الْمَعَاذِيرِ وَ خَسَأَتْ أَبْصَارَهُمْ عَنْ عَيْبِ التَّدْبِيرِ وَ كُلَّمَا تَرَاءَتِ الْآيَاتِ وَ نَشْرَهَا مِنْ طَيِّ الدَّهْرِ عَنِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ الْمَاضِيَةِ وَ حَالِهِمْ وَ مَالِهِمْ وَ كَيْفَ كَانُوا وَ مَا الدُّنْيَا وَ غُرُورُ الْأَيَّام.

وَ هَلْ هِيَ إِلَّا لَوْعَةٌ مِنْ وَرَائِهَا***جَوَى قَاتِلٍ أَوْ حَتْفُ نَفْسٍ يَسُوقُهَا١ وَ قَدْ أَغْرَقَ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا الْأَدِلَّاءُ عَلَى طُرُقِ النَّجَاةِ مِنْ كُلِّ عَالِمٍ فَبَكَتِ الْعُيُونُ شَجَنَ الْقُلُوبِ فِيهَا دَماً ثُمَّ دَرَسَتْ تِلْكَ الْمَعَالِمُ فَتَنَكَّرَتِ الْآثَارُ وَ جُعِلَتْ فِي بُرْهَةٍ مِنْ مِحَنِ الدُّنْيَا وَ تَفَرَّقَتْ وَرَثَةُ الْحِكْمَةِ وَ بَقِيَتْ فَرْداً كَقَرْنِ الْأَعْضَبِ ٢ وَحِيداً أَقُولُ فَلَا أَجِدُ سَمِيعاً وَ أَتَوَجَّعُ فَلَا أَجِدُ مُشْتَكًى.

وَ إِنْ أُبْكِهِمْ أَجْرُضْ وَ كَيْفَ تَجَلُّدِي***وَ فِي الْقَلْبِمِنِّی لَوْعَةٌ لَا أُطِيقُهَا٣ وَ حَتَّى مَتَى أَتَذَكَّرُ حَلَاوَةَ مَذَاقِ الدُّنْيَا وَ عُذُوبَةَ مَشَارِبِ أَيَّامِهَا وَ أَقْتَفِی آثَارَ الْمُرِيدِينَ وَ أَتَنَسَّمُ أَرْوَاحَ الْمَاضِينَ ٤ مَعَ سَبْقِهِمْ إِلَى الْغِلِّ وَ الْفَسَادِ وَ تَخَلُّفِي عَنْهُمْ فِي فَضَالَةِ طُرُقِ الدُّنْيَا مُنْقَطِعاً مِنَ الْأَخِلَّاءِ فَزَادَنِي جَلِيلَ الْخَطْبِ لِفَقْدِهِمْ جَوًى وَ خَانَنِي الصَّبْرُ حَتَّى كَأَنَّنِي أَوَّلُ مُمْتَحَنٍ أَتَذَكَّرُ مَعَارِفَ الدُّنْيَا وَ فِرَاقَ الْأَحِبَّةِ.

فَلَوْ رَجَعَتْ تِلْكَ اللَّيَالِي كَعَهْدِهَا***رَأَتْ أَهْلَهَا فِي صُورَةٍ لَا تَرُوقُهَا

فَمَنْ أَخُصُّ بِمُعَاتَبَتِي وَ مَنْ أُرْشِدُ بِنُدْبَتِي وَ مَنْ أُبْكِى وَ مَنْ أَدَعُ أَشْجُو بِهَلَكَةِ الْأَمْوَاتِ أَمْ بِسُوءِ خَلَفِ الْأَحْيَاءِ وَ كُلٌّ يَبْعَثُ حُزْنِي وَ يَسْتَأْثِرُ بِعَبَرَاتِي وَ مَنْ يُسْعِدُنِي فَأَبْكِي وَ قَدْ سُلِبَتِ الْقُلُوبُ لُبَّهَا وَ رَقَّ الدَّمْعُ وَ حَقٌّ لِلدَّاءِ أَنْ يَذُوبَ عَلَى طُولِ مُجَانَبَةِ الْأَطِبَّاءِ وَ كَيْفَ بِهِمْ وَ قَدْ خَالَفُوا الْأَمْرَيْنِ وَ سَبَقَهُمْ زَمَانُ الْهَادِينَ وَ وُكِّلُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ يَتَنَسَّكُونَ فِي الضَّلَالاتِ فِي دَيَاجِيرِ الظُّلُمَاتِ.

(١)1- 1. الجوى. الحرقة و شدة الحزن و تطاول المرض.
(٢)2- 2. الاعضب: الظبي الذي انكسر أحد قرنيه.
(٣)3- 3. أجرض أي أهلك. و اللوعة: الحرق و ألمه.
(٤)4- 4. في بعض النسخ« أرواح الصالحين».

:  · /bihar/75/157/