Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 74 ٢٠٠

الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِهِ وَ تَقَلُّبَ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ ١

وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ اعْتَبِرْ آثَارَهُمْ وَ انْظُرْ مَا فَعَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا وَ عَمَّنِ انْتَقَلُوا فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ وَ حَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ النَّظَرَ فِيمَا لَا تُكَلَّفُ وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالَةِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِلِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ ٢

فَنِعْمَ الْخُلُقُ الصَّبْرُ وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ٣

وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ٤

وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ ٥ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ يَا بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنّاً وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ لِخِصَالٍ مِنْهَا أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِیَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي أَوْ أَنْقُصَ فِي رَأْيِي كَمَا نَقَصْتُ فِي جِسْمِي أَوْ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا وَ تَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ٦ وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا

(١)1- 1. الصولة: السطوة و القدرة. و الفحش بمعنی الزيادة و الكثرة.
(٢)2- 2. التصبر: تكلف الصبر.
(٣)3- 3. الكهف: الملجأ. و الحريز: الحصين.
(٤)4- 4. المراد بالاستخارة هنا: اجالة الرأي في الامر قبل فعله لاختيار أفضل الوجوه. أو طلب الخير من اللّٰه تعالى. لا ما هو المشهور اليوم و يفعله أكثر المقدسين بالسبحة و المصحف.
(٥)5- 5. الصفح: الاعراض.
(٦)6- 6. إشارة الى أن الصبي إذا لم يؤدب الآداب في حداثة سنه و لم ترض قواه لمطاوعة العقل و موافقته ربما تميل به القوى الحيوانية الى مشتهياتها و تصرفه عن وجه الصواب و ما ينبغي له، فيكون حينئذ كالصعب النفور من الإبل، و وجه التشبيه أنّه يعسر حمله علی الحق و جذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور و تصريفه بحسب المنفعة.« ابن ميثم».

:  · /bihar/74/200/