Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 5 ١٣٠

و أما قوله تعالی وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ فلم يعن به الناقصي العقول و إنما أراد تعالى الذين لم يعقلوا و لم يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة خالقهم تعالى و الاعتراف بنبوة رسله عليهم السلام و الانقياد إلى طاعتهم و وصفهم بأنهم لا يعقلون تشبيها كما قال اللّٰه تعالى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ١و كما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون و فقد العقل فأما الحديث الذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل فيه إنه صلى اللّٰه عليه و آله لم يرد بالبله ذوي الغفلة و النقص و الجنون و إنما أراد البله عن الشر و القبيح و سماهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه و لا يعتادونه لا من حيث فقد العلم به و وجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر ٢ثم قال رحمه اللّٰه إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن شعيب عليه السلام قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ٣فقال أ ليس هذا تصريحا منه بأن اللّٰه تعالى يجوز أن يشاء الكفر و القبيح لأن ملة قومه كانت كفرا و ضلالا و قد أخبر أنه لا يعود فيها إلا أن يشاء اللّٰه.

الجواب قيل له في هذه الآية وجوه أولها أن تكون الملة التي عناها اللّٰه تعالى إنما هي العبادات الشرعيّات التي كانت قوم شعيب متمسكين بها و هي منسوخة عنهم و لم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات في اللّٰه و صفاته. ٤

(١)1- البقرة: 18.
(٢)2- قال بعد ذلك: فان الابله عن الشي ء هو الذي لا يعرض له و لا يقصد إليه فإذا كان المتنزّه عن الشر معرضا عنه هاجرا لفعله جاز أن يوصف بالبله للفائدة التي ذكرناها، و يشهد بصحة هذا التأويل قول الشاعر: و لقد لهوت بطفلة ميالة بلهاء تطلعنی علی اسرارها أراد بالبلهاء ما ذكرناه؛ الی آخر كلامه. و من شاء الاطلاع عليه فليراجع ج 1 ص 31 من أماليه.
(٣)3- الأعراف: 89.
(٤)4- قال بعد ذلك: مما لا يجوز أن تختلف العبادات فيه و الشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة من حيث تبعت المصالح و الالطاف و المعلوم من أحوال المكلفين، فكانه قال: ان ملتكم لا نعود فيها مع علمنا بان اللّٰه قد نسخها و أزال حكمها الا أن يشاء اللّٰه ان يتعبدنا بمثلها فنعود إليها، و تلك الافعال التي كانوا متمسكين بها مع نسخها عنهم و نهيهم عنها و ان كانت ضلالا و كفرا فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون ايمانا و هدی، بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك، و ليس تجري هذه الافعال مجری الجهل باللّٰه تعالى الذي لا يجوز أن يكون إلّا قبيحا، و قد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: كيف يجوز أن يتعبدهم اللّٰه تعالى بتلك الملّة مع قوله: «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها»؟ فيقال له: لم ينف عودهم إليها علی كل حال، و انما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيا عنها، و الذي علقه بمشية اللّٰه تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها و يتعبد بمثلها، و الجواب مستقيم لا خلل فيه انتهى. يوجد ذلك في ج 2 ص 64.

:  · /bihar/5/130/