Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 14 ٢٢٣

و لا تكلف سبب و لا أداة و إنما كنى بهذه اللفظة لأنه لا يدخل في وهم العباد شی ء أسرع من كن فيكون و الآخر أن هذه الكلمة جعلها اللّٰه علامة للملائكة فيما يريد إحداثه و إيجاده لما فيه من المصلحة و الاعتبار و إنما استعمل لفظة الأمر فيما ليس بأمر هنا ليدل ذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور في أنه لا كلفة فيه على الآمر. ١و قال رحمه اللّٰه في قوله وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا أي انفردت من أهلها إلى مكان في جهة المشرق و قعدت ناحية منهم قال ابن عباس إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة لأنها انتبذت مكانا شرقيا و قيل اتخذت مكانا تنفرد فيه للعبادة لئلا تشتغل بكلام الناس عن الجبائي و قيل تباعدت عن قومها حتى لا يروها عن الأصم و أبي مسلم و قيل إنها تمنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها ٢فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة للشمس عن عطاء فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً أي فضربت من دون أهلها لئلا يروها سترا و حاجزا بينها و بينهم فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا يعني جبرئيل عليه السلام عن ابن عباس و الحسن و قتادة و غيرهم و سماه اللّٰه روحا لأنه روحاني و أضافه إلى نفسه تشريفا له فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا معناه فأتاها جبرئيل فانتصب بين يديها في صورة آدمي صحيح لم ينقص منه شی ء و قال أبو مسلم إن الروح الذي خلق منه المسيح عليه السلام تصور لها إنسانا و الأول هو الوجه لإجماع المفسرين عليه و قال عكرمة كانت مريم إذا حاضت خرجت من المسجد و كانت عند خالتها امرأة زكريا أيام حيضها فإذا طهرت عادت إلى بيتها في المسجد فبينما هي في مشرقة لها في ناحية الدار و قد ضربت بينها و بين أهلها سترا لتغتسل و تمتشط إذ دخل عليها جبرئيل في صورة رجل شاب أمرد سوي الخلق فأنكرته فاستعاذت باللّٰه منه قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا معناه إني أعتصم بالرحمن من شرك فاخرج من عندي إن كنت تقيا.

سؤال: كيف شرطت في التعوذ منه أن يكون تقيا و التقی لا يحتاج أن يتعوذ منه و إنما يتعوذ من غير التقي؟

(١)1- مجمع البيان 2: 442 و 443.
(٢)2- فلي رأسه أو ثوبه: نقاهما من القمل. و في نسخة: فتغسل رأسها.

:  · /bihar/14/223/