الظالمين، إلا لعامل فيها بالخير فإنها له نعم الدار .
یا موسى : ما آمرك به فاسمع ، ومهما أراه فاصنع ، خذ حقائق التوارة إلى صدرك، وتيقّظ بها في ، ساعات الليل والنهار، ولا تمكّن أبناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وَكُراً كَوَكْرِ الطير ١.
يا موسى : أبناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم البعض، فكل مزين له ما هو فيه ، والمؤمن من زُيِّنَتْ له الآخرة فهو ينظر إليها٢ ما يفتر٣، قد حالت شهوتها ٤بينه وبين لذة العيش٥ فادّلَجَتْهُ٦بالأسحار ، كفعل الراكب السائق إلى غايته ، يظل كئيباً٧ويمسي حزيناً، فطوبى له لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور.
یا موسى : الدنيا نُطْفَة٨ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر، فالويل الطويل لمن باع ثواب معاده بلَعْقَة لم تبق وبَلْعَة٩لم تدم ، وكذلك فكن كما أمرتك وكلّ أمري رشاد.
يا موسى : إذا رأيت الغِنى مقبلاً فقل : ذَنْب عُجَلَتْ لي عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل : مرحباً بشَعار١٠الصالحين، ولا تكن جباراً ظلوماً، ولا تكن للظالمين قريناً .
یا موسى : ما عمر وإن طال يُذَمّ آخره، وما ضرك ما زُوي١١عنك إذا حمدت مغبته١٢،یا موسی : صرح الكتاب١٣إليك صراحاً بما أنت إليه صائر ، فكيف ترقد على هذه العيون، أم
(١)1- الوكر : عشَ الطائر .
(٢)2- تزيين الآخرة أي تزيين ما أعد للمؤسن فيها من نعيم مقيم وسرور دائم مما لا عين رأت ولا أذن رأت ولا أذن سمعت وذلك من خلال ما جاء به الأنبياء والرسل ونزلت به الكتب في ذلك، ولذلك فنظر المؤمن إليها من خلال كل ذلك حيث يتصورها بعقله فيلتذ وينشد شوقاً إلى التقلب فيها .
(٣)3- ما يفتر : أي ما يضعف وما يكلّ
(٤)4- أي شهوة الآخرة .
(٥)5- أي لذة العيش في الدنيا، وذلك لأنها لا تقاس بلذة العيش في الآخرة لحقارة ما في الدنيا من لذائذ في جند تلك .
(٦)6- الإدلاج : - بتخفيف الدال - السير في أول الليل والإذلاج - بتشديدها - السير في آخره، والمقصود به هنا الثاني بقرينة تعقبه بالأسحار.
(٧)7- أي في النهار . قال الخليل : لا تقول العرب : ظل، إلا لعمل يكون بالنهار .
(٨)8- النطقة : - هنا - ما يبقى في الدلو أو القربة من الماء، وهو كناية عن قلة شأن الدنيا وضآلتها .
(٩)9- اللعقة ما يُلْعَق، والبلعة ما يبتلع .
(١٠)10- الشعار: العلامة، وما وليّ الجسد من الثياب، وقد كنّى به عن الفقر للدلالة على أنه من لوازم الصلاح التي لا تنفك عنه غالباً. كما أن الغنى من لوازم الطلاح كذلك.
(١١)11- زُوي : أي صرف .
(١٢)12- المغبة : أي العاقبة .
(١٣)13- المقصود بالكتاب إما التوراة أو صحيفة أعمال الإنسان .