ونهاهم عن التقتير، ولكن أمرٌ بين أمرين، لا يعطي جميع ما عنده، ثمَّ يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له، للحديث الّذي جاء عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلّم) : «إنَّ أصنافاً من أمّتي لا يُستجاب لهم دعاؤهم : رجلٌ يدعو على والديه، ورجلٌ يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يَكتب عليه ولم يشهد عليه، ورجلٌ يدعو على امرأته وقد جعل الله عزَّ وجلَّ تخلية سبيلها بيده ورجلٌ يقعد في بيته ويقول : ربّ ارزقني، ولا يخرج، ولا يطلب الرزق، فيقول الله عزّ وجلَّ له : عبدي ألَم أجعل لك السّبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتّباع أمري، ولكيلا تكون كَلُّا١على أهلك، فإن شئتُ رزقتك، وإن شئت قتّرت عليك، وأنت غير معذور عندي.
ورجل رزقه الله مالاً كثيراً فأنفقه، ثمَّ أقبل يدعو: يا ربّ ارزقني، فيقول الله عزّ وجلَّ : ألم أرزقك رزقاً واسعاً، فهلّا اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف، وقد نهيتك عن الإسراف، ورجلُ يدعو في قطيعة رحم.
ثمَّ علم الله عزّ وجلَّ نبيه (صلی الله علیه و آله و سلّم) كيف ينفق، وذلك أنّه كانت عنده أوقيّة من الذَّهب، فكره يبيت عنده، فتصدَّق بها، فأصبح وليس عنده شيءٌ، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السائل واغتمَّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيماً رقيقاً، فأدَّب الله تعالى نبيه (صلی الله علیه و آله و سلّم) بأمره فقال : «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا» ٢يقول : إنَّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك، فإذا أعطيت ما عندك من المال، كنت قد حسرت من المال.
فهذه أحاديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلّم) يصدَّقها الكاتب، والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين. وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له : أوصِ، فقال : أوصي بالخمس، والخمس كثيرٌ، فإنّ الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصى بالخمس، وقد جعل الله عزّ وجلَّ له الثلث عند موته، ولو علم أنَّ الثلث خيرٌ له أوصى به، ثمَّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده؛ سلمان وأبو ذرّ رضي الله عنهما، فأمّا سلمان، فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له : يا أبا عبد الله، أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غداً؟! فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليَّ الفناء، أما علمتم يا جهلة، أنَّ
:
· /kafi/5/63/